فاصلة

مقالات

بينوش تخرج فيلمها الأول: رقصة في قلب المجهول

Reading Time: 5 minutes

في باكورة تجاربها الإخراجية، وبعد أن تجاوزت الستين، تفاجئنا جولييت بينوش بعمل فنّي لافت لا يملك في الأساس الكثير من المغريات لصناعة إثارة. فيلمها الوثائقي الجديد In-I In» Motion» — المعروض في مهرجان البحر الأحمر الخامس — يبدو موجّهاً إلى المشاهدين الملمّين بالفنون الاستعراضية والبصرية. إيقاعه، ومساحاته الزمنية المترامية التي تتجاوز الساعتين وتتناثر فيها لحظات من التكرار والدوران على الذات، قد تدفع بعضنا إلى التململ. مع ذلك، تبقى التجربة جريئة ومغايرة، تتميز بصدق بحثها الجمالي وعمق طرحها الإنساني.

الفيلم عن تجربة فنية مكثّفة عاشتها بينوش مع الراقص والمصمّم الكوريغرافي البريطاني أكرم خان (من أصول بنغالية)، من البروفات والتحديات البدنية والعاطفية وصولاً إلى تقديم العرض النهائي على المسرح (أكثر من مئة حول العالم). نحن أمام توثيق لهذا التعاون الفنّي. العرض حمل عنوان «In-I» وقُدِّم بين عامي 2008 و2009. بينوش، التي ليست راقصة في الأصل، وأكرم خان، الذي لم يكن ممثّلاً، انصهرا أحدهما في الآخر بحيث تعلّمت هي استخدام جسدها كوسيلة للتعبير، بينما استكشف هو البُعد الدرامي للأداء. كلاهما سيتخطّى الحاجز الوهمي الذي وضعه الآخر أمامه، من أجل بناء تماس وصولاً إلى لحظة الوقوف أمام الجمهور. 

اعتمد الفيلم على عشرات الساعات من التمارين، تعتريها لحظات الشك والتعب والفرح. هذا كله يتحول إلى جردة حساب شاملة عن كيفية صناعة الفنّ باللحم الحي والارتقاء به إلى أرفع المستويات الآدمية. من خلاله، تحاول بينوش التي كانت آنذاك في مطلع الأربعينات، الاقتراب من جوهر الخلق الفنّي، بما في ذلك القابلية للاستسلام إلى شريك وتجاوز الذات عند الخروج من مناطق الراحة.

في بعض الأعمال الفنية، نرى المخرج الذي يقف خلفها أكثر ممّا نرى الفيلم. ينسحب هذا على فيلم بينوش، الذي يمكن القول إن فلسفتها حاضرة فيه وفكرها ملموس. فبعد مسيرة طويلة في التمثيل، وعملها مع مخرجين كبار، من كاراكس إلى كيارستمي، يبدو أنها استعارت من هؤلاء ما يكفي لجعلها مخرجة تعرف ماذا تريد وتبحث عنه بعناد.

رغم أن الفيلم مسرحيّ الطابع، فإن السينما لا تغيب عنه. المناكفة الجسدية على الشاشة ستُبنى على جدلية الرغبة والخوف، حيث يعلّمها الرقص وتعلّمه التمثيل، فينفتحان أحدهما على الآخر في احتفالية كلها إيقاع ومشاعر. المُشاهد يتمايل مع حركاتهما، يميناً ويساراً، وكأنه جزء من الرقصة.

وجود بينوش قبالة الكاميرا وخلفها، يحمل أكثر من دلالة: لم يمنحها أحد هذا الدور، فقررت أن تمنحه لنفسها. هذه ربما من المرات النادرة التي نراها فيها بهذه الهشاشة والعنفوان في آنٍ واحد. وقد أشار تييري فريمو، مدير معهد لوميير، عند استقبالها في مهرجان ليون الأخير لتقديم عملها، إلى أن أفلام الممثّلين الذين ينتقلون إلى الإخراج تتميز دائماً عن أفلام المخرجين غير الممثّلين، وهذا ما ينطبق عليها تماماً هنا.

في لقائها مع الجمهور يوم العرض الأول في فرنسا، روت بينوش أن الاتفاق الذي جمعها بأكرم كان نقطة البداية. هو كان يريد التمثيل، وهي أرادت أن تجرب الحركة، في رهانٍ بدا مستحيلاً، لكنه قام على ثقة متبادلة. 

In-I in Motion (2025)
In-I in Motion (2025)

”في الحقيقة، نمضي أبعد بكثير عندما يؤمن الآخرون بنا. على المرء أن يؤمن بنفسه، لكن وجود أكرم كان بالنسبة لي أشبه بعبور من ضفّة إلى أخرى، عبور لم أكن أعرف إن كنت سأقدر عليه من دونه. عندما ترونني ألهث، فذلك لأنني كنت أتساءل: كيف سأصمد من دون أن أموت كلّ مساء؟ كان سؤالاً شبه يومي. فالعرض كان منهكاً جسدياً، ومرهقاً عاطفياً. كممثّل، نتعامل عادةً مع كتلة واحدة: المشاعر، الفكر، التجسيد. أما الراقص فيحمل كتلة الحركة والنَفَس والإيقاع. الجمع بين الإثنين كان تحدّياً هائلاً. ودّدنا أيضاً ابتكار شيء جديد، مختلف عن كلّ ما شاهدناه في السابق، من دون أن نعرف وجهتنا. خلال التمارين مررنا بمراحل من الضبابية، شعرنا بالاستعجال، وفي الوقت نفسه لم يكن في قدرتنا أن نسبق طاقتنا الحقيقية. في العراء، غالباً ما نجد الأمان. في قبول عدم المعرفة، تأتي المعرفة تدريجاً، وكأن الأمر فيه شيء من السحر. حين نقبل بهشاشتنا، تولد قوة أخرى، قوة تستمد نفسها من الجرأة على التواضع. أظن أن هذا ما عشناه معاً، أكرم وأنا. فقد اضطر هو إلى التخلّي عن جسده كما يعرفه، وهذا شيء يلمسني كثيراً. لا بدّ من بناء جسور بين الفنون، بين أشكال التعبير المختلفة. وعندما قيل لي «ابدئي من الإحساس»، كان ذلك مفتاحاً. كلّ فن حقيقي يجب أن ينطلق من شعور، لا من فكرة ذهنية مسبقة. لكي يكون العمل صادقاً وحيّاً يصل إلى الجمهور، عليه أن ينبع من مكان خفي، من إحساس أولي. من هنا ولدت الحركة لديّ: ليس عبر التقليد، بل الارتجال، وبفضل فنّ أكرم خان بوصفه كوريغرافياً قادراً على تشكيل الحركة. لكن عندما استطعتُ ربط كلّ ذلك بإحساس إنساني، بعاطفة ما، عندها فقط صار للحركة صدقٌ أكبر. فأنا لستُ راقصة، وكان السؤال: كيف أصنع تعبيراً جسدياً ينطلق من ذاتي؟ لم أجد الطريق سوى عبر الإحساس».

تكشف بينوش أنها خلال بعض العروض، كانت تنتابها لحظات ينسيان فيها هي وأكرم خان أنهما جسدان، وينسيان التعب واللهاث… لحظات يكونان فيها بالكامل داخل الشيء. وهناك فقط يمكن الشعور بتلك الحرية، في ذلك الانفصال الجميل عن كلّ ما يثقلهما. مع ذلك، لا تخفي أنها قبل اعتلائها المسرح، شكّت مراراً في قدرتها على المواصلة. ظنّت انها ستسقط من الإرهاق، أو ستتعرّض لإصابة ما. كان هناك دائماً هذا المزيج الغريب: يقينٌ ما وشكّ دائم. أعتقد أن الصعود إلى المسرح يحمل دوماً هذه الثنائية: الشكّ واللايقين. وهما ما يصنعان توازننا… أو اختلاله. وهما أيضاً ما يمدّاننا بتلك القوة التي تشبه التواضع الضروري، إلى جانب يقين صغير يسمح لك بالعبور والاستمرار. نشعر بالحرية عندما نشعر أننا محمولون بقوة ليست نحن بالضبط لكنها تعمل عبرنا“.

ترى بينوش أنه في أي فنّ من الفنون، يتعلّم الفنّان طويلاً، ثم يمرّ بمرحلة «التخلّي» عن التعلّم حتى لا يصبح آلة، وحتى لا يظهر الجهد في الأداء، ولكي تبدو الحركة أو التعبير أكثر تلقائيةً. لكن، أن تلامس جسدان، جسداهما، هي وأكرم خان، وفجأةً بصدق عاطفي، وبانتباه شديد، فهذا ما جعلهما أكثر هشاشةً. شعرت بالارتباك. في رأيها أن تجاوز هذه المرحلة هو بالضبط ما يجب على الممثّل أن يفعله: تخطّي الخوف والقفز فوق النقطة التي تؤلمه أو تربكه. «كما قالت سوزان باتسون، يجب أن نعبر إلى المنطقة غير المريحة، هذه الوحيدة التي تخرج الصدق منّا. فلا يمكننا أن نُقبِّل شخصاً بخوف أو بحذر وننتظر أن يكون المشهد صادقاً. يجب أن يكون كلّ شيء كاملاً. وبما أننا لم نملك الكثير من الوقت، كانت سوزان تدفعنا أحياناً لحرق المراحل بسرعة. وهذا يشبه ما يحصل في السينما: كثيراً ما نجد أنفسنا في اليوم الأول من التصوير مطالبين بأداء مشهد حبّ، والتصرف كما لو أننا نعرف بعضنا منذ سنوات».

In-I in Motion (2025)
In-I in Motion (2025)

تروي بينوش أن الوعي بالجسد جزء أساسي من مهارة الممثّل، من علاقته بنفسه. لكن ما تعلّمته فعلاً من هذه التجربة هو ألا تخاف، وبات يلزمها ما هو أكبر بكثير لتشعر بالرهبة من جديد. «أكرم قال في لحظة ما إنه فكّر في التخليّ عن العرض، لأنه حين أدرك مدى القرب الجسدي والعاطفي المطلوب بيننا، شعر بالخوف. وهذا طبيعي. فالتعامل مع المشاعر على خشبة المسرح غاية في الصعوبة، لأنه عليك أن تصدّق، أن تؤمن بما تفعله بوصفك ممثلاً. نعم، نقع «في حبّ» الشريك على الخشبة، لكننا نعرف أن هذا الشعور يعيش فقط طوال مدّة المشهد أو العرض. وهذا أمر يصعب استيعابه في البداية. وأعترف أنني عندما كنت ممثّلة شابة، وقعتُ في الحبّ بسهولة. عشتُ قصصاً مع ممثّلين عملتُ وإياهم. ثم مع الوقت فهمتُ. ليس أننا نصبح محصّنين، بل ندرك الآلية التي تجعل الجمهور يصدّق ما يراه، من دون أن نسمح لأنفسنا بالانجراف الكامل داخل تلك المشاعر. عرضتُ الفيلم في مرحلة من مراحل المونتاج على مخرج مسرحي، فردّ بالقول: ما نطلبه من الممثّلين شيء أقرب إلى الجنون، فأجبته: والجنون أيضاً ما نقبله نحن. بالنسبة لي، الإبداع هو قول “نعم” كبيرة. انه قفز في المجهول. على أمل أن يكون هناك على الجانب الآخر مخرج يرانا، يصغي إلينا، وربما ينقذنا… أو لا! لكن فكرة القفز نحو شيء لا نعرفه، نحو احتمال جديد يولد في اللحظة نفسها، فإن هذا هو جوهر العملية الإبداعية بالنسبة لي. مَن لا يرغب في الذهاب نحو المجهول، نحو شيء قد يظهر عبرنا من دون أن نكون قد خطّطنا له مسبقاً؟». 

اقرأ أيضا: يوم التقيتُ جولييت بينوش

شارك هذا المنشور