لم يكن المخرج المجري بيلا تار اسمًا عابرًا في تاريخ السينما، فقد كان تجربة جمالية وفكرية متكاملة أعادت صياغة العلاقة بين الصورة والزمن، وبين الإنسان والعالم الذي ينهار من حوله ببطء. برحيله اليوم، عن سبعين عامًا بعد صراع طويل مع المرض، تفقد السينما الأوروبية أحد أكثر أصواتها تفرّدًا وصلابة، وتفقد معه رؤية سينمائية قائمة بذاتها.
وُلد بيلا تار عام 1955 في مدينة بيتش بالمجر، وبدأ مسيرته السينمائية داخل استوديو «بالاش بيلا»؛ أحد أبرز معاقل السينما التجريبية في أوروبا الشرقية. في أفلامه الأولى، مثل Family Nest (1979) وThe Outsider (1981) وThe Prefab People (1982)، اشتغل على ما عُرف بـ«السينما الاجتماعية»، مُقدّمًا حكايات يومية عن الطبقات المُهمّشة، بأسلوب قريب من سينما الواقع، كاشفًا التفكك الأسري والاختناق الاجتماعي في ظلّ النظام القائم آنذاك.

التحوُّل الحاسم في مسيرته جاء مع Almanac of Fall (1984)، إذ بدأ الابتعاد عن الواقعية المباشرة لمصلحة فضاءات مُغلَقة، مشحونة بالتوتّر الأخلاقي، وبشخصيات عالقة داخل منظومات قمعية خانقة. بلغ هذا المسار نضجه الكامل في Damnation (1988)؛ الفيلم الذي رسَّخ أسلوبه القائم على اللقطة الطويلة، وحركة الكاميرا البطيئة، والعوالم الموحلة التي لا يُغادرها المطر. منذ تلك اللحظة، تجاوز الزمن كونه إطارًا للحكاية، ليصبح عنصرًا دراميًا فاعلًا يُثقل المشاهدة ويختبر صبر المتلقي.

الاعتراف العالمي الحقيقي جاء مع ملحمته الشهيرة Sátántangó (1994)؛ الفيلم الأبيض والأسود الممتدّ سبع ساعات، والمقتبس عن رواية لازلو كراسناهوركاي. لم يكن العمل مجرد تأريخ لانهيار الشيوعية في أوروبا الشرقية، فقد كان تأمّلًا وجوديًا في الوهم الجماعي، والخلاص الزائف، والدوران العبثي للإنسان داخل منظومة منهارة. لا يزال الفيلم حاضرًا في استطلاعات أعظم أفلام تاريخ السينما، بوصفه تجربة مُشاهدة تتحدّى الإيقاع السائد وتكسر منطق الاستهلاك السريع.
واصل تار تعاونه مع كراسناهوركاي في Werckmeister Harmonies (2000)؛ أحد أكثر أفلامه حضورًا نقديًا وانتشارًا عالميًا. هنا تتحوّل مدينة صغيرة إلى مسرح للفوضى الجماعية، إذ تتقاطع السلطة والجماهير والخوف، في رؤية كابوسية لعالم ينهار من الداخل. أما The Man from London (2007)، فشكَّل تجربة أكثر تقشّفًا، مقتبسة عن رواية لجورج سيمنون، وشارك بها في مهرجان كان.

اختتم بيلا تار مسيرته السينمائية بفيلم The Turin Horse (2011)؛ عمله الأكثر تجريدًا وظلمة. مستلهمًا الحكاية المنسوبة لانهيار الفيلسوف فريدريش نيتشه، صوَّر حياة يومية تتكرّر بلا أفق، في عالم يستنزف ساكنيه حتى العدم. اعتبر كثيرون الفيلم وداعًا سينمائيًا صريحًا، وهو ما أكّده تار لاحقًا بإعلانه اعتزال الإخراج.
بعد الاعتزال، انتقل إلى سراييفو حيث أسَّس مدرسة film.factory، مكرّسًا جهده للتعليم، ومؤكدًا أنّ السينما، بالنسبة إليه، ليست صناعة ولا مهنة، وإنما موقف أخلاقي وجمالي من العالم.
برحيل بيلا تار، تخسر السينما أحد أكثر مخرجيها تشددًا في الرؤية وأشدّهم إخلاصًا للزمن بوصفه تجربة وجودية. إرثه باقٍ، ثقيل وبطيء مثل أفلامه، لكنه صادق ومُعانِد للنسيان.