حوار من ارشيف الناقد إبراهيم العريس مع الفنان عمر الشريف، قبل وفاته.
كان ذلك قبل أعوام قليلة من رحيله، حين استضافت العاصمة القطرية (الدوحة) الفنان عمر الشريف وفيلمه الفرنسي الذي كان يحقق نجاحا في عروضه العالمية «السيد إبراهيم وزهور القرآن»، ليعرض الفيلم في حضور الفنان العالمي في نادي السينما بالدوحة، مصحوبًا بحوار مع الجمهور يديره كاتب هذه السطور، وذلك كنوع من المشاركة في تظاهرات «الدوحة عاصمة ثقافية».
يومها، إذ كان الحر في العاصمة القطرية شديدًا، آثرت وضيفي أن نبقى طوال النهار في الفندق في انتظار العرض المسائي. فأتاح هذا البقاء فرصة دردشة بين عمر الشريف وبيني تواصلت طوال النهار، نختصرها هنا في نوع من بورتريه نرسمه لبطل «لورانس العرب» و«صراع في الوادي» أتى على الشكل التالي:

حين يقترب عمر الشريف، ويكون لا يزال على بعد عشرين مترًا أو أقل قليلًا، لا تبدو وطأة السنين مهيمنة عليه بشعره الأبيض ونظرته نصف الحائرة/ نصف الواثقة وابتسامته الطيبة. يبدو هو هو، كأنه ذاك الذي صوره واحد من أشهر مشاهد فيلم «لورانس العرب Lawrence of Arabia» قبل نحو خمسين عامًا: شابًا حاد النظرة، واثق الخطوة، يقترب آتيًا نحو الكاميرا من عمق السراب الصحراوي. لكن هذا الفنان الكبير ذا التاريخ العالمي الحافل في الفن السابع؛ ما إن يقترب أكثر حتى يبدأ عمره الحقيقي بالظهور… إن لم يكن في خطواته، ففي تغضّن ملامحه. وإن لم يكن في هذا كله، ففي حديثه الذي ينغمس فيه ما إن يجلس وهو ينظر حواليه ببعض الفضول. فعندما يبدأ عمر الشريف في الحديث، وهو يبدأ فورًا، حتى يصبح شلال كلام متدفقًا.

يبدو وكأنه يريد أن يعوض عن سنوات من الصمت، وربما عن وحدة يعيشها. وهو يوضح هذا منذ البداية، ولو في شكل موارب: فهو واحد من قلة من النجوم لا تحمل هواتف نقالة. بل إن لا رقم هاتف له على الإطلاق.
منذ زمن طويل لا يملك بيتًا في باريس، حيث يقيم منذ عقود طويلة في غرفة فندق فخم. في تلك الغرفة يمضي فصلي الصيف والربيع. أما الفصلان الباقيان فيمضيهما في القاهرة، وحتى هناك لم يعد يملك بيتًا. فالبيت الفخم الذي كان يقيم فيه وكلفه شراؤه ملايين الجنيهات، تخلى عنه لمطلقة ابنه المصرية. «طارق طلب هذا وأنا وافقت». وعمر الشريف لا يمكنه اليوم أن يرفض لطارق ابنه طلبًا. «هو ابني الوحيد». ولكن لطارق شركاء اليوم في حياة بطل «دكتور جيفاغو Doctor Zhivago»، وهم أولاد طارق الثلاثة: «كل واحد من أحفادي أنجبه طارق من امرأة مختلفة». فطارق على عكس والده «مزواج… تزوج خمس نساء حتى الآن، وحقق العولمة العائلية، لأن كل واحدة من نسائه السابقات تنتمي الى بلد أو دين. الأخيرة والراهنة روسية». يقولها عمر الشريف بشيء من الفخر، مشيرًا الى أن حفيده من هذه الأخيرة، له الآن من العمر 11 شهرًا. «لقد أراد أبوه وأمه أن يسمياه دانيال… احتججت. أردت له اسمًا عربيًا لا روسيًا. لذلك فتحت قواميس الأسماء العربية واخترت أقرب اسم الى دانيال: داني». وإذ يقول عمر الشريف هذا ضاحكًا وكأن ما فعله أعجوبة من الأعاجيب، يمضي نحو خمس دقائق وهو يشرح معنى كلمة داني.

الحياة العائلية
كل هذا يخبرك النجم الكبير به، قبل أن تطرح عليه أي سؤال. بعد ذلك فقط ينظر اليك بدهشة وكأنه يتساءل عمن تكون ولماذا أنت هنا؟ ثم يتذكر وحده أنكما ستكونان معًا مساء الغد، مشاركين في ندوة حول فيلمه «السيد ابراهيم وأزهار القرآن Monsieur Ibrahim and the flowers of the Koran»، الذي يعرض في العاصمة القطرية، ضمن نشاطات الدوحة مدينة الثقافة.
يلتفت فجأة ويسأل: «هل شاهدت الفيلم؟
أجيبه: «لو لم أشاهده لما كنت هنا».
يغير الحديث، وأيضًا من دون أن تسأله، ويبدأ في مدح الحياة العائلية، وشتيمة هوليوود. إنه يفضل الفرنسيين على الأنغلو – ساكسون. ويخبرك أنه بفضل الفرنسيين صار ممثلًا عالميًا.
تسأله بدهشة: لكننا نعرف أن الفضل لفيلم «لورانس» البريطاني – الأميركي، ولدايفيد لين الذي اختارك للدور. يضحك هنا بمكر ويقول كمن سيدلي بسر خطير – ستدرك لاحقًا انه حكى هذه الحكاية مئات المرات من قبل، ولسوف يحكيها خلال زيارته القطرية نصف دزينة أخرى من المرات: «لا… الحكاية أبعد من ذلك بكثير. شوف يا سيدي. أنا حين كنت صغيرًا، كنت أتعلم في مدرسة كاثوليكية فرنسية في الإسكندرية. بعد شهور أمضيتها هناك، لاحظت أمي أن وزني زاد عشرين كيلوغرامًا. وتنبهت إلى أن الفضل في ذلك يعود إلى جودة الطعام الفرنسي الذي يقدم في المدرسة. ولما لم يكن في يدها تغيير جودة ذلك الطعام، تساءلت: من يقدم «أوحش» أكل في العالم؟ قيل لها الإنكليز… وهكذا، نقلتني إلى مدرسة إنكليزية، ومن ثم إلى مدرسة فكتوريا. شفت بقه؟ … بفضل جودة الطعام الفرنسي انتقلت إلى حيث لم أعد أستطيب الأكل، فنحفت. كما أنني تعلمت الإنكليزية إلى جانب الفرنسية».
هنا ينظر عمر الشريف ويسأل: «تعرف كلية فكتوريا طبعًا؟»
– «أجل تلك التي جمعتك بين آخرين بيوسف شاهين والملك الراحل الحسين بن طلال وإدوارد سعيد…»
يصرخ هنا: «لا. أبدًا! لم يكن معي سوى الملك حسين. أما يوسف شاهين فيكبرني بثمانية أعوام، فيما يصغرني إدوارد سعيد بسبعة أعوام وأكثر. كوننا معًا، كانت حكاية صحافية لا أكثر…».
من الصعب، في الحقيقة معرفة ما الذي يجعل عمر الشريف يكرر هذا كله مرات عدة خلال يومين، ثم يتوقف عن الكلام فجأة ليقول إنه في حقيقة الأمر لم يحب في حياته سوى امرأة واحدة، هي فاتن حمامة: «لم أحب قبلها ولم أحب بعدها. ونحن لم نتطلق إلا بعد عشرين سنة من الفراق الذي اقتضته ظروف عملنا. كنا تواعدنا على البقاء معًا على رغم المسافات الفاصلة، على أن يطلب أي منا الطلاق إذا ما أراد أن يتزوج من جديد. من هنا، حين صارت عودتي مستحيلة، ومبارحة فاتن حمامة القاهرة مستحيلة أكثر، وأرادت أن تتزوج من جديد، أرسلت اليها الأوراق فورًا… ونحن الآن أصدقاء…».

حديث الذكريات
واضح ان ذكريات عمر الشريف الهوليوودية قليلة جدًا. أو أنه لا يحب الحديث عنها. وكذلك لا يحب الحديث عن معظم الأفلام التي أدى أدوار بطولة فيها. بل إن رأيه في «دكتور جيفاغو» سلبي.
يقول: «أنا قد أكون رومنطيقيًا، لكنني لا يمكن أن أبلغ من البله مستوى بله الدكتور جيفاغو».
أما الأفلام التي يفضلها ويحب الحكي عنها، فهي أفلامه الأميركية الأقل نجاحًا، مثل «فوق حصان شاحب Behold a bale horse» لفرد زينمان، حيث أدى دور قسيس: «كان طريفًا أن أتحول قسيسًا بعد سنوات عدة من اعتناقي الإسلام، ولو في الفيلم».
لاحقًا خلال الندوة في قاعة «لاندمارك» في الدوحة، سيسأله متفرج عما إذا كان التزامه الديني الإسلامي صحيحًا. يجيبه: «صحيح تمامًا. فأنا مسلم حقيقي منذ اعتنقت الإسلام كي أقترن بفاتن حمامة». هنا صفق الجمهور الذي تغص به القاعة. وبدا عمر الشريف مسرورًا بذلك التصفيق، فزاد أن على السنّة والشيعة، بدلًا من الاقتتال فيما بينهم، أن يقتلوا اليهود. وهو إذ قال هذا، التفت الى كاتب هذه السطور هامسًا: «كنت أريد أن أقول اسرائيل، فأرجو ألا يفهم الأجانب في الصالة هذا». الأجانب في تلك اللحظة كانوا بالتأكيد يتساءلون عن سر التصفيق الذي اندلع حين انهى عبارته الأولى.
على أية حال، خلال الندوة، كان من الواضح أن الكبير أصيب بالتعب، بدا هذا على المترجمين الذين يتولون ترجمة ما يقال إلى لغات الضيوف، فهم بعد محاولات أولية طيبة، توقفوا، لأنهم ما عادوا قادرين على متابعة ما يقوله عمر الشريف. فهو، هنا أيضًا كان شلال كلام. يحكي كثيرًا وبسرعة، يكرر الحكايات نفسها. ولكن في كل مرة بطيبة وظرف يفوقان اللحظات السابقة.

الناس الطيبون
كان جليًا أن عمر الشريف يستمتع بحضوره على هذا النحو في قطر. قال لي أكثر من مرة إن الناس طيبون هنا جدًا. وتحدث باستفاضة عن وزير الثقافة القطري حمد الكواري، الذي كان استضافه، عائليًا على العشاء في الليلة السابقة. رآه عمر الشريف: «مثقف حقيقي. ويحب السينما ويحب مصر»… لكن الأهم من هذا، أضاف عمر الشريف وقد استبدت به رغبة في الحكي السياسي، وانتقاد «نظام عبدالناصر» و«كل الأنظمة الشمولية الأخرى». كما، الأهم من هذا أن شجاعة الوزير جعلته أول وزير اعلام عربي يلغي وزارة الإعلام، حالًّا مكانها وزارة حقيقية للثقافة، «وهذا عمل عظيم» أضاف الشريف معجبًا.
أعداء عمر الشريف «بعد اليهود طبعًا» كما قال، هو نظام عبدالناصر. فهذا النظام نال على لسانه الانتقادات ما يملأ صفحات. ويتذكر بطل «صراع في الوادي» كيف أن هذا النظام أراد أن يشغّله مخبرًا وجاسوسًا، ويروي كيف أنه حين كان يعيش في لندن أيام إنجاز الأعمال التقنية للورانس العرب، استدعي إلى السفارة المصرية هناك وطُلب منه أن «يصاحب» طالبة مسرح لبنانية (نضال الأشقر)، كي تتمكن السفارة عبرهما من اصطياد والد نضال، الحزبي أسد الأشقر لاغتياله. وإذ يروي عمر الشريف هذه الحكاية الخطيرة بكل بساطة، يلتفت ويسألني: «أنت تعرف بالسياسة همّا كانوا عاوزين يغتالوه ليه؟»، تقول له ما عندك حول علاقته بالانقلاب القومي على فؤاد شهاب عام 1961، يهتز رأسه وقد انزاح عن بصره غموض يبدو أنه طويلًا ما شغله، ثم ينتقل إلى حكاية محاولة الاستخبارات المصرية تجنيد فاتن حمامة للعمل معها، ويؤكد: «فشلت المحاولة لأنني تدخلت». ثم يهمس – وهو ينظر حولنا في بهو الفندق- بحذر باسم مسؤول المخابرات المصرية الذي كان «بطل تلك المحاولة»، مضيفا أنه في الحقيقة أخ لملحن مصري من الكبار. وبعد أن يصمت لحظات يجيل عينيه قبل أن يهمس باسم الملحن!
كل هذه الأمور الخطيرة يرويها عمر الشريف وكأنه يحكي لك عن فيلم شاهده مساء أمس، ولا يرويها خلال يومين، مرة واحدة، بل مرات. ويرويها فيما يحدثك عن مشاريعه المقبلة «فالمشاريع كثيرة والحمد لله»، وعن الأفلام التي يحبها «مع أنني لم أشاهد أي فيلم خلال العشرين سنة الأخيرة». وعن يوسف شاهين الذي «اختارني لبطولة صراع في الوادي وأنا في الثانية والعشرين فغيّر لي حياتي»، وعن أحمد رمزي وعن بيتر أوتول «إنه من أعز أصدقائي». وإذ يقف النجم العالمي بين جملة وأخرى ليتصور مع شبان وصبايا وعائلات كانوا يُدهشون إذ يكتشفون وجوده هنا، يقول معلقًا بعد كل صورة: «أنا أحب الناس. صحيح أنني في القاهرة أعيش اليوم وحيدًا؛ لكنني في كل مرة أحب أن أنزل الى المناطق الشعبية لاختلط بالناس والتحدث اليهم وأسمعهم». وإذ يقول هذه الكلمة الأخيرة ينظر بدهشة ناتجة من دهشة محدّثه، الذي يكون هنا قد وصل الى السؤال الحاسم: ولكن ماذا فعل عمر الشريف كل هذا خلال يومين، باستثناء الاستماع الى رفاقه في الفندق والمطعم والندوة؟