انتفضت الصحافة الأجنبية في برلين عقب رد رئيس لجنة تحكيم برليناله 2026 على سؤال بخصوص صمت المهرجان عن التضامن مع الفلسطينيين، في حين أن المهرجان يعلن عادة عن تضامنه بشكل واضح واحتفائي مع ضحايا الاستبداد والظلم في كل مكان آخر في العالم، رد المخرج الألماني الكبير «فيم فيندرز» بأننا يجب أن نبتعد عن السياسة وألا نقوم بعمل السياسيين لأننا كسينمائيين نمثل الوزن المقابل للسياسة، قوبل باستهجان واسع في كل مكان تقريبًا.
في برلين التي أحيا فيها منذ سنين، وأعتبر نفسي أحد أبنائها، أرى جرافيتي احتجاجي على حائط مقابل لسينما بابليون العريقة، الجرافيتي يقول: «فيم … أيها الجبان، الفيلم سياسي!». في عرض الفيلم الفلسطيني «وقائع سنين الحصار» داخل المهرجان يهتف المخرج «عبد الله الخطيب»: «من لا يريد أن يتحدث في السياسة يذهب لفيم فيندرز، نحن سنتحدث في السياسة»، فيصفق الحضور ويلوحون بالكوفية الفلسطينية وعلم فلسطين.

ربما خان التعبير فيندرز فلم يعبر بشكل واضح عما يريد قوله، حتى ولو كان له تصريح شديد الوضوح من قبل في سياق مختلف بأن كل فيلم سياسي، والأفلام الأكثر سياسية هي الأفلام التي تظن أنها ليست كذلك، لكن التصريح هذه المرة جبان فعلًا، لأنه يأتي في سياق إبادة جماعية وتطهير عرقي تمولها الحكومة الألمانية وتدعمها حتى الآن، هل فيندرز رجل شرير؟ على الأغلب لا.
وصلت ألمانيا للمرة الأولى منذ 10 سنوات، تعلمت الألمانية قبل ذلك، منذ أن كنت صبيًا، وربما أحد أوائل الكتب التي استعرتها من مكتبة المركز الثقافي الألماني في مصر كان كتاب رسومات مبهر مبني على كادرات واقتباسات فيلم «أجنحة الرغبة» لفيم فيندرز، أو كما يسمى بالألمانية «السماء فوق برلين». شاهدت الفيلم عقب ذلك، ولسنين طويلة كنت أحفظ مونولوجاته عن ظهر قلب.
يحظى هكذا فيم فيندرز بمكانة خاصة لدي، وبعيدًا عن ذلك فهو يحظى بمكانة خاصة في تاريخ السينما وبين محبيها. كل هذا يضاعف من المشكلة، خصوصًا حينما تكون في مكانة تحميك وتدع لك المجال لقول كل ما تشاء، بعد عمر طويل أنجزت فيه كل شيء بالفعل.
هل تكمن المشكلة في تصريح جبان أتى ربما بسبب عدم قدرة على الصياغة إذا أحسنا الظن؟ لا، مشكلة برليناله أكبر من ذلك كمهرجان.
المهرجان الذي يقدم نفسه دائمًا بأنه واحد من أهم ثلاثة مهرجانات في العالم، يستقبل عادة صورة مصغرة للعالم داخله، والعالم بغالبيته يعلم أن ما يحدث في غزة هو إبادة جماعية وتطهير عرقي، والعالم بغالبيته يعترف بحق دولة فلسطين في الوجود، والعالم بأكمله غاضب بسبب عدم قدرة أحد على محاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم ضد الإنسانية. كل هذه الحقائق تبدو للحكومة الألمانية ليست بحقائق.

هذا ما أدى لحدوث عاصفة من الهجوم الحكومي على برليناله وأهلها منذ عامين، في حفل ختام دورة عام 2024 حينما فاز الفيلم الوثائقي الفلسطيني «لا أرض أخرى» بجائزة أفضل وثائقي في المهرجان، حينما تحدث مخرجا الفيلم «باسل عدرا» الفلسطيني و«ابراهام يوفال» الإسرائيلي بكلمات واضحة عن نظام الفصل العنصري الإسرائيلي وعن الإبادة التي يتعرض لها أهل غزة، الهجوم أتى علنيًا من عمدة برلين «كاي فاجنر» ووزيرة ثقافة برلين في ذلك الوقت «كلوديا روث»، اللذين صفقا في حقيقة الأمر أثناء الكلمة لكن صرحا بعدها أنهما لم يفهما الإنجليزية، وصرحت روث بشكل خاص أنها كانت تصفق للمخرج الإسرائيلي فقط وليس زميله الفلسطيني!
هذا التصريح الغبي والعنصري في آن واحد أتى من وزيرة منتمية لحزب الخضر، يجدر الإشارة هنا أن الحكومة التي دعمت إسرائيل بالسلاح والغطاء الدبلوماسي وحتى بالتواجد قانونيًا رفقتهم أمام محكمة العدل الدولية كانت مكونة من تحالف «الحزب الديمقراطي الاجتماعي» و«حزب الخضر»، لم يكن أيٌّ منهم منتميًا لليمين السياسي في ألمانيا، تخيل معي اليمين إذًا!
كاي فاجنر المنتمي للحزب الديمقراطي المسيحي، الذي ما زال عمدة لبرلين، ضغط عقب ذلك وضغط الطيف السياسي الألماني كله لفرض قيود على المهرجان وتنقيته من تكرار الانتقادات الحادة لإسرائيل.
في منتصف عام 2024 تم تمرير إعلان جديد ضد معاداة السامية من البرلمان الألماني، صوت الجميع لصالحه وامتنع حزب اليسار عن التصويت، لم يعارض القرار أيٌّ من الأحزاب الكبيرة، الإعلان شمل أن لا مؤسسة أو مشروع متورط في نشر معاداة السامية، أو التشكيك في حق إسرائيل في الوجود، أو مقاطعة إسرائيل، أو عدم الاستثمار فيها، أو فرض عقوبات عليها، يمكن أن يحصل على دعم مالي من الدولة الألمانية.
عارض كثيرون، منهم نشطاء وخبراء يهود معادون للحرب، أن هذا الإعلان وهذا التعريف سيتم إساءة استخدامه لإسكات المعترضين على جرائم الجيش الإسرائيلي والحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، لكن لم يهتم أحد بذلك.
نحن إذًا في دولة تصف من يطالب بفرض عقوبات على دولة نظامها متورط في إبادة جماعية، بتقرير لجنة الأمم المتحدة، وتقارير عدد ضخم من المؤسسات الحقوقية الدولية منها منظمة العفو الدولية، وأطباء بلا حدود، ورئيس وزرائها مطلوب من المحكمة الجنائية الدولية، بأنه معادٍ للسامية، يجب معاقبته وتجريده من أي تمويل رسمي.
نحن في دولة صرح فيها المستشار فريدريش ميرز، أعلى سلطة تنفيذية في الدولة، أنه رغم قرار المحكمة الجنائية الدولية بالقبض على بنيامين نتنياهو، بأنه يبحث عن سبل وطرق لدعوة هذا المجرم للزيارة. نحن في دولة صدرت أسلحة بمئات الملايين من اليوروهات إلى نظام متورط في تطهير عرقي وحرب إبادة، صدرت ذلك من خلال حكومة الخضر والديمقراطي الاجتماعي، وتستمر من خلال حكومة المسيحي الديمقراطي والديمقراطي الاجتماعي.
وفي برلين، نحن في مدينة رفع عمدتها كاي فاجنر علم إسرائيل على مبنى البلدية طوال حرب الإبادة، ورغم قرار المحكمة الجنائية الدولية، ورغم تقارير لجان الأمم المتحدة، ولم يخرج منه تصريح واحد عن عشرات الآلاف من الأطفال القتلى في غزة، ورفض بالطبع تواجد علم فلسطين في أي مكان رسمي داخل برلين.
بمناسبة علم فلسطين، فرئيسة البرلمان الألماني يوليا جلوكنر قد طردت إحدى عضوات البرلمان لأنها ارتدت تيشيرتًا يحمل كلمة فلسطين. وقالت إن هذا يخل بكرامة البرلمان الألماني. المستشار والطيف الواسع من الساسة الألمان يعتبر شعار «الحرية لفلسطين – Free Palestine» هتافًا لا يمكن التسامح معه أو احتماله.
كل هذا عزيزي القارئ لتتفهم السياق الذي يحدث فيه مهرجان برلين، وأنا لم أذكر هنا حتى مدى عنف شرطة برلين ضد التظاهرات المساندة لفلسطين، ابحث بنفسك، أو اقرأ تقرير مفوضية الأمم المتحدة، أو تابع كيف تدنى مؤشر ألمانيا فيما يخص حرية التعبير.
هذا الواقع الديستوبي لا يعني أن ألمانيا تخلو من المعارضين لذلك، كاتب هذا المقال يحمل الجنسية الألمانية، الملايين من أصحاب الأصول المهاجرة مثله، نسبة كبيرة منهم تعيش في برلين، وحتى من أصحاب الأصول غير المهاجرة، يوجد الملايين ممن هم ضد الحرب والقمع، بدرجات متفاوتة بالطبع.
أين يقع المهرجان وسط هذا الطيف؟ لم يصل المهرجان بالتأكيد لمدى البروباجندا والكراهية ضد العرب والفلسطينيين والمسلمين مثلما يحدث في الطيف الواسع من المجتمع الرسمي الألماني، لم يأخذ المهرجان موقفًا قويًا في الدفاع عن حرية التعبير، عن حرية التظاهر، وضد الإبادة، لكنه لا يزال يجمع ويدعو صناع أفلام عربًا وفلسطينيين وأجانب معروفًا عنهم مواقفهم الداعمة لحق الفلسطينيين، وأن يجلس صانع سينما في مؤتمر صحفي داخل برليناله يضع على صدره ملصقًا يحمل علم فلسطين وشعار «Free Palestine»، أمر من الممكن أن يؤدي داخل ألمانيا للمساءلة والفصل والمنع والعقوبات المالية.

حينما رأيت الغضب الإعلامي العالمي ضد ما قاله فيم فيندرز، تمنيت لو أن هؤلاء الصحفيين ذهبوا مرة إلى أحد المؤتمرات الصحفية الرسمية للحكومة الألمانية، فلو أن هناك غضبًا عالميًا متفهمًا بدرجة ضد ما قاله فيندرز، فيجب أن يكون الغضب مضاعفًا عشرات ومئات المرات ضد ما تقوله وتفعله الحكومة الألمانية.
هناك من يقاطع برليناله، وهناك من يحاول استغلال هذا الحدث السينمائي الضخم للتأثير وسط مجموعة من آخر المحاولين لصناعة التغيير داخل دولة يبدو المهرجان مقارنة بواقعها لا يزال يمكن إنقاذه، أما ألمانيا فربما للأسف قد تأخر الوقت.
اقرأ أيضا: برليناله تحت النار… أزمات أشعلت عاصفة من الانتقادات