تشكل الكلمات عالم المخرج السينمائي النيرويجي داغ يوهان هاغيرود، فرغم أنه غادر عالم المكتبات الذي عمل فيه في مقتبل حياته، ظل الأدب والفلسفة هما عماد حياته، فلما احترف الإخراج والكتابة للسينما وسائلًا جديدة للحكي، ظلت ظلال الادب والفلسفة حاضرة بقوة في كل ما يقدم. ويتجلى ذلك في فيلمه الجديد “أحلام (جنس حُب) Dreams (sex love)” الذي فاز بجائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين في دورته الخامسة والسبعين.
الفيلم الذي يكرس مكانة هاغيرود واحدًا من أبرز الأصوات الإبداعية في السينما الأوروبية المعاصرة، عُرض عربيًا للمرة الأولى في الدورة المنتهية من مهرجان الجونة السينمائي. وهو الفصل الأخير من ثلاثية بدأها المخرج قبل سنوات، تناول فيها علاقة الإنسان بجسده وعاطفته وخياله، من خلال أعماله السابقة “جنس Sex” و”حب Love”.
يقدّم هاغيرود في “أحلام (جنس حبّ)” تجربة بصرية ونصية فريدة، تمزج بين الحميمي والميتافيزيقي، بين الكتابة والحياة، وبين الخيال والواقع. من خلال قصة فتاة مراهقة تكتشف رغبتها الأولى تجاه معلمتها، يفتح المخرج بابًا للتأمل في معنى الحب والرغبة، وفي الحدود الغائمة بين التجربة الشخصية والسرد الفني، وبينما يقرأ المشاهد نصّ البطلة بصوتها، تمتد الحكاية لتشمل أمها وجدتها في حوارٍ بين ثلاثة أجيال من النساء، تحكمه الذاكرة والحلم والتوق الإنساني الدائم إلى الفهم.
على هامش مهرجان الجونة، التقت فاصلة داغ يوهان هاغيرود، وانطلقت من حوارها معه من الفيلم إلى فلسفته ورؤاه السينمائية.
* هل خططت من البداية أن تقدم الثلاثية التي اختتمها “أحلام (جنس حب) قبل أن تبدأ في أول أفلامها؟
– نعم، كانت الخطة منذ البداية أن يكون “أحلام” هو واحدًا من ثلاثية متصلة. أو يمكننا أن نقول إن الثلاثية هي عمل واحد كبير قُدِّم في ثلاثة أجزاء.
وقد كُتبت الأفلام تباعًا بهذه النية. أما الترتيب الذي صدرت به فكان للموزعين. اللافت أن الموزعين اختاروا ترتيبات مختلفة لصدور الأفلام الثلاثة. في البداية كنت مترددًا في قبول مسألة أن يرتب الموزعون صدور الثلاثية وفق ترتيبات متباينة؛ لكنني الآن أرى أن تغيّر الترتيب يخلق ترابطات جديدة تعمل على مستويات لم أكن أقصدها، وأجد هذا أكثر إثارة، ولا أراه مثيرًا للإحباط.
*يعالج الفيلم موضوع الأحلام لا بوصفها رموزًا فحسب، بل باعتبارها مكونات رئيسة في عيشنا اليومي، كيف ترى العلاقة بين الحلم والواقع في سردك السينمائي؟
– أولًا، أود أن أقول إن تخيّل فيلم يشبه إلى حد كبير الحلم اليقظ، إذ يصبح كل شيء ممكنًا، وكل شيء قابلًا للتحقق، لأنك في الأحلام لا تواجه العوائق العملية أو العاطفية التي تعرقلك في الحياة الواقعية. لذا؛ فإن مرحلة “حلم اليقظة” هي نقطة انطلاق جيدة. فالأحلام جزء من فضائك الذهني، ولا يوجد في أحلامك شيء لا ينتمي إليك، ومن ثم فهي واقعية بقدر واقعية نشاطك الذهني وأنت مستيقظ.
في هذا الفيلم؛ تلعب الأحلام دور تمثُّلات التوق، وتستخدمها يوهان (البطلة) لتبني في الخيال قصة حبّها الخاصة. نحن نشاهد هذا البناء، فهو “حقيقتها”، وعلينا أن نتعامل معه بجدية كي نشارك في الفيلم. ومع ذلك، هناك مساحة للتساؤل عمّا إذا كانت هذه الحقيقة متجذّرة في واقع ما حدث بالفعل، وإن كان كذلك، فكيف حدث؟
*يبدو الفيلم هادئًا على السطح، لكنه يغلي بالعواطف في العمق، كيف حافظت على هذا التوازن بصريًا وعاطفيًا؟
– الفيلم ذاتي تمامًا، يُروى من وجهة نظر “يوهان” وحدها، لكن من المهم أيضًا ألا يبدو الفيلم متلاعبًا بالمشاهد، لذلك كان لا بدّ من ترك مساحة مفتوحة للجمهور كي يلاحظ ويكوّن رأيه الخاص، أؤمن أن المشاهدين بحاجة إلى هذه المساحة والوقت ليربطوا ما يرونه بما يحدث في حياتهم وآرائهم ومشاعرهم.

*ربط نقاد كثيرون أعمالك بسينما إيريك رومير الفلسفية والطبيعية، هل تشعر بالقرب من هذا النوع من السينما؟
– نعم، أنا من المعجبين المخلصين بإيريك رومير منذ أن كنت في الخامسة عشرة. حين صادفت عرضًا لفيلمه “زوجة الطيارThe Aviator’s wife”، لم أكن أفهم تمامًا ما أراه، بدا لي مضحكًا وغريبًا. لكنه في الوقت نفسه أثار فضولي وتفاعل معه عقلي ومشاعري. كان من الغريب أن أرى أشخاصًا في مواقف عادية يتحدثون عن أمور تبدو تافهة على شاشة السينما. لاحقًا، أدركت أن هذا “التفاهة الظاهرة” هي وسيلة مثالية لتسليط الضوء على الأسئلة الوجودية الكبرى، من دون دراما كبرى أو صراعات متضخمة، ولكن بطريقة نابضة بالحياة وضرورية جدًا.
*في الثلاثية تستكشف علاقات أخلاقية معقّدة دون إصدار أحكام على شخصياتك، هل تر أن بنية الفيلم تحتاج درجة من الحياد الأخلاقي تجاه الشخصيات؟
– أرى أن تجنب الحكم الأخلاقي المباشر ضرورة، تصل إلى مدى أبعد في التفكير حين تتجنبه. هذا لا يعني أنني لا أرى في الأخلاق أهمية؛ بل على العكس، أؤمن أن الأخلاق اختيار وأنها ليست مطلقة، بل تتغيّر حسب السياق الاجتماعي الذي تنتمي إليه. لكن هناك أيضًا الضمير، وهو بمثابة البوصلة الأخلاقية التي تظهر حتى لدى الشخص الذي يظن أنه فصل الأخلاق عن أفعاله. هذا ما أجد مثيرًا للاهتمام. كما أعتقد أن ما يحدث في المناطق الرمادية هو ما يتحدّى أخلاقنا حقًا ويجعل من الصعب أن نتمسّك بأخلاق تقوم على المبادئ الصارمة بدلًا من مراعاة الآخرين.

*يبدو أثر الكتابة الأدبية قويًا في حواراتك السينمائية الطويلة والمركّبة، ما هي الأدوات التي تستخدمها لتضمن ألا تنزلق تلك الحوارات مع استطالتها إلى المسرحية، وتظل تجمع بين العمق والتدفق والواقعية؟
– الأمر يتعلّق بالكتابة ثم إعادة الكتابة، وقراءة كل ما أكتب – خاصة الحوارات- بصوت عالٍ، ومحاولة خلق حوار واقعي؛ بمعنى أنه بسيط ويومي تتخلله مساحات صمت، لكنه يتوغّل قليلًا أعمق مما يحدث عادة في مثل هذه المحادثات اليومية.
*يلعب التعليق الصوتي دورًا أساسيًا في الفيلم، هل تراه أداة درامية أم شكلًا من أشكال العلاج الذاتي لبطلتك يوهان؟
– كلاهما! للتعليق الصوتي وظائف متعددة، فهو سرد خالص، واعتراف، وتأمل ذاتي مستمر، كما أنه يعمل كعين إلهية تراقب ما يحدث. أردت أن أختبر الحدود المختلفة لاستخدام الصوت الداخلي، وأن أرى إلى أي مدى يمكن تمديد هذه الوظيفة.
*يطمس الفيلم الحدود بين الواقع والخيال، وتتنقل البطلة بينهما بلا وجل. هل تعتقد أن الخيال أحيانًا يكشف الحقيقة بعمق أكبر من الوقائع؟
– يتعامل الفيلم كما الحياة مع حقيقتان؛ هناك حقيقة موضوعية يمكن ملاحظتها، وهناك حقيقة ذاتية في كيفية تجربتها، وربما تكمن الحقيقة في مكان ما بين ما هو فعلي وما هو متخيّل ومُحسوس.
*الموسيقى التي وضعتها آنا بيرغ تضيف ملمسًا عاطفيًّا دون أن تطغى على السرد، كيف أثّر هذا التعاون في نغمة الفيلم؟
*آنا بيرغ مؤلفة موسيقية معاصرة، تعمل أكثر على البنية والملمس والنغمة بدلًا من اللحن. وكان من المهم أن تخلق هذه العناصر الجوّ الأساسي للفيلم، اعتقدت أن ذلك سيمنحه طابعًا حالِمًا. ومع ذلك؛ شعرت من البداية أننا بحاجة إلى لحن واضح، لأن اللحن يربطنا بشكل مباشر بالعاطفة المهيمنة في لحظة بعينها. وكنت أرى من المهم أن يكون هناك متّسع للعاطفية في فيلم عن الحب، ولحسن الحظ، تمتلك آنا أيضًا حسًا قويًا باللحن.

*العلاقة بين الابنة والأم والجدة تبدو محورية في الفيلم، ماذا أردت أن تعبّر عنه من خلال هذا الترابط بين الأجيال؟
– أردت أولًا أن أُظهر كيف يؤثر الموروث في الإنسان في مراحل مختلفة من حياته، وكيف يمكن أن يدفعه لتغيير أسلوب حياته، فكل من الأم والجدة تعيشان نوعًا من الحزن على ما فقدتاه في حياتهما منذ تجربة الحب الأولى والانفتاح الجنسي. لكن الجدة التي خسرت أكثر من الأم، تشعر بالغيرة من حفيدتها، من شبابها، ومن كل الفرص التي تتيحها هذه المرحلة، حين يمكن للمرء أن يقترب من الفن والحب والجسد بنقاء وبراءة لا يمكن استعادتهما.

*تبدو المعلّمة شخصية غامضة عمدًا، هل أردت أن تبقى كذلك لتحدي تصورات المشاهد حول القوة والعاطفة؟
– كان المهم بالنسبة إليّ أن أقدّمها غارقة في ضوء الحب، فنحن نراها من خلال عيني “يوهان”. من هي بالضبط لا يهم في البداية؛ فهي مجرد موضوع للحب، ولا نراها على حقيقتها تقريبًا إلا في نهاية الفيلم، وإن كانت في موقف دفاعي وضاغط، وهو ما قد يعكس جانبًا من شخصيتها، لكنه لا يكشف وجهها الحقيقي تمامًا.
*الأم، “كريستين”، تنتقل من الخوف إلى الفهم بعد قراءة قصة ابنتها، هل تمثل بالنسبة لك صوت المجتمع أم غريزة الأمومة؟
– في البداية تمثل كليهما، ولو أن “يوهان” روت لها ما حدث لربما انتهى الأمر هناك، كانت ستتصرّف كما يُتوقع منها وكما تظن أن أمًّا يجب أن تتصرف، لكن لأنها قرأت ما حدث، أُتيح لها وقت للتأمل وإعادة النظر، فكانت استجابتها أكثر تعقّلًا واحتواء.
*العلاقة بين الطالبة والمعلمة تبدو رومانسية وحالمة في آن واحد، هل تراها قصة حب حقيقية أم مجازًا للأحلام التي لا يمكن بلوغها؟
– أعتقد أنه يمكن النظر إليها على النحوين معًا، وأترك هذا القرار للمشاهد.
*عندما تُشارك “يوهان” كتابتها، يفسّرها الجميع بشكل مختلف، هل تعتقد أن العمل الفني يفقد براءته بمجرد طرحه للعالم؟
– نعم، هذا يحدث، فعندما نشارك حياتنا الداخلية مع الآخرين، نكتشف أحيانًا أن أفكارنا وأحلامنا تبدو أكثر بساطة وأقل تفرّدًا مما كنا نتصوّر، ربما لأن الكلمات لا تستطيع احتواء ما نشعر به، كما أن ردود الآخرين تؤثر في إدراكنا لتجربتنا، ما كان في أذهاننا جميلًا وثمينا قد يبدو فجأة صغيرًا وعاديًا، هذا مؤلم، وأعتقد أنه ينطبق أيضًا على الفن، لكن بما أن جوهر العمل الفني هو عرضه على العالم، فلا بد أن يكون الفنان مدركًا لذلك ومستعدًا لتقبّله.

*تستكشف أفلامك الهوية بوصفها أمرًا متحوّلًا ومتطوّرًا، هل ترى أن الثلاثية في جوهرها بحث عن الهوية في زمن متغيّر؟
– أفضل القول إنها تتعلّق بالتحرّر من الهوية. يجب أن نُفرّق بين الهوية والشخصية؛ الهوية شيء نختاره، وقد أصبح من المهم أكثر فأكثر إعلانها لتفسير من أنت ولماذا تفكر وتتحدث كما تفعل، وأيضا للمطالبة بحقوق معينة، أعتقد أن التحرر من الهوية سيكون مريحًا لكثيرين، وربما يقوّي الروابط الإنسانية في بعض الحالات.
*تتطرّق أيضًا إلى قضايا الرأسمالية والجندر والسياسة الثقافية، خصوصًا عبر الأجيال، كيف ترى العلاقة بين الحب والسياسة في عالم اليوم؟
إنها علاقة مترابطة بلا شك، فالإرادة السياسية ضرورية لبناء مجتمع يتيح للناس أن يعيشوا بحرية وفق رغباتهم واحتياجاتهم، كما أن الإرادة السياسية مطلوبة لفرض أولوية الصحة وجودة الحياة على حساب الربح في عالم رأسمالي بالكامل، لا يمكن أن توجد اعتبارات إنسانية حقيقية من دون إرادة سياسية.
*هل تعتبر الفيلم عن الكتابة كوسيلة للبقاء، أم عن حدود اللغة في التعبير عن أعمق مشاعرنا؟
– كلا الأمرين. لكن اللغة المكتوبة تختلف عن المنطوقة؛ فهي أكثر تحمّلًا وتماسكًا وأقدر على التعبير عما يصعب قوله، كما أنها موجودة فقط أثناء الكتابة، غير متأثرة بتفاعل الطرف الآخر كما في المحادثة. في الكتابة يمكننا أن نبني وهمًا عن الحياة، وهذا الوهم يمكن أن يكون ما نعيش من أجله أو نسعى نحوه.
*النهاية مفتوحة وهادئة ومثيرة للتساؤل، فهل ترى في تحول البطلة للبحث عن حلم جديد فعل شجاعة؛ أم استمرار في الوهم الجميل نفسه؟
– أعتقد أن هذه هي الحياة. الإنسان لا يتخلى عن الحلم وعن الأمل. لحسن الحظ أننا حين نشعر بالخيبة أو يفقد الحلم الذي نطارده المعنى؛ نسائل أنفسنا وحياتنا. وهذا أمر جيد لأنه يدفعنا للنضوج، ثم يحدث ما يقلب الأمور، ربما بلقاء شخص جديد يدخل حياتنا، فيتغير التركيز وتولد توقعات جديدة، قد نصبح أكثر حكمة وربما أكثر حذرًا بعد التجارب السابقة، لكن هذا لا يمنعنا من المحاولة مجددًا، ربما في ذلك بعض الشجاعة.
اقرأ أيضا: «أحلام (جنس حب)».. لماذا صار فيلم مغمور الرابح الأكبر في برليناله 75؟