فاصلة

مراجعات

«القيد»… تجربة طموحة تواجه تحديات الإيقاع والمضمون

Reading Time: 5 minutes

في ثاني الإنتاجات السينمائية لشركة «تلفاز 11» هذا العام بعد فيلم «الزرفة»، يأتي فيلم «القيد» ليؤكد حضور الاستوديو واحداً من أبرز اللاعبين في شباك التذاكر السعودي، ويعيد طرح النقاش المتجدد حول طبيعة الإنتاجات السعودية واتجاهاتها. فمنذ انطلاقتها السينمائية، لم تكتفِ «تلفاز 11» بتجارب خفيفة أو كوميدية كما توهم البعض، وانتقلت سريعًا إلى تقديم طيف واسع من الأفلام متعددة القوالب والمضامين. فصار التنوع أحد أهم مميزات حضور الشركة في المشهد السينمائي السعودي، مراهنة على فئات مختلفة من الجمهور بل والتوجه للجمهور الواحد من زوايا متباينة، ولكن محصلة ذلك التنوع لا يعني تمام التوفيق. 

ففي السنوات الماضية، شاهدنا من إنتاج الشركة نفسها أعمالًا مثل «الخلاط+» و«أغنية الغراب» وغيرها، ومثّلت كلها مراحل انتقالية، قدّمت مخرجين وكتّابًا جدد إلى الشاشة الكبيرة. واليوم نلتقي المخرج حسام الحلوة، والكاتب أحمد الحقيل في إنتاج جديد، لا يمكن وصفه بالتجربة الأولى لكليهما. فهما اسمان خطا تجاربهما مبكرًا في وسائط عدة، غير أن دخول الشاشة الكبيرة له قوانينه الخاصة، وأسلوبه الذي لا يشبه إلا ذاته وهو ما أدركاه في هذا العمل، وما وقعا أيضًا في فخه في غير موضع.

 حبكة تقليدية وصراع غير مكتمل

ينطلق الفيلم من حبكة بسيطة لا يشوبها تعقيد، ومتكررة في معظم الثقافات والأنواع السردية. غير أن البساطة في القالب لا تعني بالضرورة ضعف الأثر، إذ يمكن عبر الحيل السردية وتوظيف المشاعر أن تتحول القصة مهما كانت متوقعة إلى تجربة مدهشة. فالحكايات الكلاسيكية عادة ما تُبنى على بطل يشك في قدراته، ثم يخوض سلسلة من الاختبارات التي تفضي في النهاية إلى تحولٍ وجداني، ينقل المشاهد معه من مجرد التعاطف إلى تعاطف يغلب عليه الإيمان بقدراته.

على هذا المنوال يمكن قراءة «القيد»، حيث يحاول أن يعيد إنتاج هذا القالب في بيئة محلية، مستعينًا برموز موروثة وأجواء أسطورية. فمنذ المشهد الأول يضعنا الفيلم في قلب صحراء وعرة مكللة بالثلوج، حيث ينطلق «سعود» (سعد الشطي) في رحلة للثأر من «رماح» (يعقوب الفرحان)، زعيم الحنشل وصعلوك القبيلة الذي لا يعرف الخوف ولا العيب.

المشاهد الافتتاحية تُدخلنا مباشرة في عالم يجمع بين قسوة الطبيعة وبرودتها، وسخونة الدم الذي يراق بحثًا عن جبر انكسار كرامة مهدورة.

فيلم القيد (2025)
فيلم القيد (2025)

القصة لا تخفي تقليديتها، لكنها تستمد قوتها من الإحالة إلى مخيال عربي قديم. فشخصية «رماح» بُنيت لتستحضر إرث الصعاليك الذين تقاطعوا عبر الأزمنة والجغرافيا في تمردهم على السلطة وهي هنا متمثلة في القبيلة، وعيشهم على هامش المجتمع، مبررين تمردهم بالبحث عن العدالة لأنفسهم، فيما ينغمسون في قتل ونهب لا يقل ظلمًا عن ظلم ثاروا عليه. ومن خلال هذه المقاربة يحاول أحمد الحقيل أن يعيد صياغة الحكاية في صورة شبه أسطورية.

لكن في مقابل وضوح ملامح «رماح» الصعلوك المتمرد والبطل الضد، يظل «سعود» بطل القصة شخصية أقل حضورًا دراميًا مما كان متوقعًا. فدوافعه للثأر – على أهميتها- لم تُمنح العمق الكافي ليشعر المشاهد بثقل التضحية التي يخوضها. هنا يفقد الفيلم واحدة من ركائزه الأساسية، إذ لم نتمكن من العبور من تعاطف عابر معه إلى الإيمان بقدراته أو الاندماج مع تحوله النفسي.

الحبكة إذن بقيت أسيرة خط درامي واحد، لم تتخلله حكايات جانبية أو مستويات موازية تفتح فضاءات جديدة. وهذا ما جعل الإيقاع عرضة للترهل سريعًا، إذ بعد تقديم سريع وجذاب للشخصيات ودوافعها، وجد المشاهد نفسه أمام تكرار مستمر لمسيرة المطاردة، بلا منعطفات درامية حقيقية.

فيلم القيد (2025)
فيلم القيد (2025)

الرمز بين الإبهار والتكرار

أكثر ما يلفت في «القيد» هو ولع الكاميرا بتضاريس صحراء نيوم. فالمكان هنا لا يُعامل كخلفية صامتة للأحداث، بل باعتباره عنصرًا فاعلًا يوازي الشخصيات في حضوره، حتى ليبدو بطلًا ثالثًا إلى جانب «سعود» و«رماح». وعورة الجبال وبرودة الثلج وقسوة الصحراء بدت امتدادًا لعنف القصة وقسوة أبطالها، وكأن الطبيعة تُعيد إنتاج صراع البشر بلغة التضاريس والمناخ.

غير أن هذا الولع تحوّل سريعًا إلى إفراط، إذ استُهلك وقت طويل من زمن الفيلم في استعراض جمالي متكرر. صحيح أن هذه المشاهد تثير الدهشة للوهلة الأولى، لكنها بتكرارها أضعفت الإيقاع وأفقدت السرد توتره الداخلي، حتى غدت اللحظات التي يفترض أن تبلغ ذروة الانفعال عالقة في برودة الصور وتكرارها. لتتحول الكاميرا من أداة في خدمة الحكاية إلى شاعر مأخوذ بصوته. ومع هذا الإفراط، بدا أن حرارة الصراع تتبدد شيئًا فشيئًا.

فيلم القيد (2025)
فيلم القيد (2025)

في المقابل، يبرز حضور الرمزية كخيار أكثر اتزانًا وعمقًا، فالمطر مثلًا لا يهطل إلا حين يسقط أحد الحنشل (المجرمين) قتيلًا، وكأن الأرض تعلن تطهرها منهم وتغسل دمهم من عليها، فيما تبقى قاحلة وصفراء عندما يسفكون دماء غيرهم. هذه الإشارة، حملت دلالة شعرية، أضفت على الحكاية قوة تتجاوز حدود الصراع الفردي إلى صراع أشمل بين الإنسان والطبيعة، بين الفساد والتطهر. أما القيد ذاته، فهو الأشد وقعًا والأكثر حضورًا في الفيلم. الفكرة التي تحكم كل خيوط السرد وتشدها إلى نهايتها المحتومة. ففي المعركة الأخيرة، حيث يتقاطع الثأر مع المصير، لا يخرج أحد منتصرًا. الجميع خاسر. والجميع يظل مكبَّلًا. وهكذا ينغلق الفيلم على دائرة مفرغة، حيث تبدأ الحكاية وتنتهي في النقطة ذاتها. هذه النهاية الدائرية تعطي الفيلم بعدًا ينقله إلى استعارة عن الإنسان العربي، الذي يجد نفسه عبر التاريخ محاصرًا بقيود يفرضها الخارج حينًا ويصنعها بيديه حينًا آخر.

ختامًا: السينما المحلية وإشكالية الإيقاع

الأفلام السعودية في معظم تجاربها وقعت في معضلة ضبط الإيقاع: بداية قوية جاذبة، ثم ترهل في المنتصف، يعقبه اندفاع سريع نحو النهاية. 

هذه السمة تكاد تكون مشتركة في عدد من الأفلام، وكأنها علامة على مرحلة التكوين أو انعكاس لاستعجال في بناء النصوص. وفيلم «القيد» لم يكن استثناء، بل مثّل الحالة الأكثر وضوحًا لهذا الاختلال.

في نصفه الأول، بدا واعدًا بجرعة عالية من التشويق، قدّم الشخصيات سريعًا وبجاذبية واضحة، حتى استعان بالكتابة التوضيحية لتبيين مطلب «سعود». لكن سرعان ما تضاءل زخم الحكاية، وتحول السرد إلى تكرار مسيرة المطاردة دون ابتكار درامي أو صراع داخلي متصاعد. وحين حاول الفيلم استعادة زخمه بالمعركة الأخيرة، وجد نفسه أمام مشهد طويل يستهلك طاقته البصرية من دون أن يمنح المتفرج النشوة الدرامية المنتظرة. وهكذا وقع العمل في طموح جمالي، لكن دون أدوات كافية للسيطرة على الإيقاع أو تنويع مستويات السرد.

فيلم القيد (2025)
فيلم القيد (2025)

إلا أن ما يميز «القيد» عن غيره هو كونه فيلم نوع (Genre) بامتياز. فهو يلتزم ببنية الانتقام التقليدية: بطل تُختبر قوته، شرير يفرض حضوره، وطريق طويل نحو المواجهة، ثم النهاية التي لا تمنح نصرًا مطلقًا لأي طرف. 

هذه الصيغة جعلت الفيلم جزءًا من تقليد سينمائي عالمي، محاولا كسوه بملامح محلية. غير أن الالتزام ظلّ أقرب إلى الشكل منه إلى الجوهر؛ إذ لم ينجح العمل في توظيف هذا القالب لتوليد منعطفات سردية جديدة أو إضافة طبقات أعمق للشخصيات. فبدلًا من أن يكون النوع رافعة لخيال الفيلم؛ تحول إلى إطار صارم عزز التكرار وأفقد الحكاية حيويتها.

ومع ذلك، تبقى التجربة لافتة. فمعظم إنتاجات السينما المحلية في السنوات الأخيرة تمركزت حول الكوميديا والدراما الاجتماعية، بينما يغامر «القيد» بخوض فضاء لم يُطرق من قبل. هذه الخطوة حتى وإن جاءت متعثرة تكشف عن نزوع نحو كسر احتكار النغمة الكوميدية، وعن وعي بأهمية «الفيلم النوعي» كأداة للتجريب والتوسّع.

وعليه، لا يمكن وصف «القيد» بالإخفاق التام ولا بالتجربة المبهرة. إنه عمل طموح يحمل بصمة كاتبه أحمد الحقيل ومخرجه حسام الحلوة، ويكشف عن رغبة في اقتحام مساحات جديدة داخل السينما السعودية. 

اقرأ أيضا: «القيد»… مغامرة سينمائية سعودية

شارك هذا المنشور