فاصلة

مقالات

«القبطان» بعد ثلاثين عامًا… سؤال بلا إجابة

Reading Time: 11 minutes

في هدوء مسالم، سوف أنسحب من عالمكم المُحكم،
عاريًا بلا كلمات،
وها أنا في طريقي، مستكشفًا حياةً أخرى،
أرشق الإشارات في صحراوات ليل بلا نوافذ،
منتسبًا إلى برودة ظلّي،
ظلّي الذي ظلَّ يلازمني،
ولكنه الآن ينكرني.

بهذه الكلمات التي نشرها على صفحته الشخصية قبل خمسة أيام من رحيله، ودَّع المخرج المصري سيد سعيد أصدقاءه ومحبّيه وحتى الذين تجاهلوه أو أحبطوا قدره.

في عام 2019، وبعد ثماني سنوات من إنجازه فيلمه الوثائقي الطويل الأول «تعظيم سلام»، في عمر الثانية والسبعين، «انسحب» سعيد بهدوء مسالم وفق وصفه، تاركًا فيلمَيْن طويلَيْن: أحدهما الوثائقي المشار إليه، والثاني هو الروائي –الوحيد– الذي أنجزه في نهاية التسعينات؛ «القبطان» من بطولة محمود عبد العزيز.

كان سيد سعيد مفكرًا ومنظّرًا سينمائيًا رفيع المستوى. ربما لم يحظَ بالنجومية الإعلامية المُستحقَّة، رغم انتمائه الصريح إلى جيل الستينات واليسار المصري في أوج بريقهما، وتخرّجه في معهد السينما عام 1975 في عمر السادسة والثلاثين، بعدما شَعَر أنّ السينما هي أقرب الأدوات الفنية للتعبير عن أفكاره ورؤاه. عُيّن مخرجًا في التلفزيون المصري، وأنجز ثلاثة مسلسلات في الثمانينات والتسعينات، لكن كلّ ذلك لم يمنحه دفعة الصدارة إلى واجهة الصناعة، أو يمدّه بالقدر الكافي من المرونة والقدرة على فهم طبيعة السوق المتغيِّرة، أو تمرير معادلات التجارب المختلفة التي أراد تقديمها.

 اسماعيلية رايح جاي
اسماعيلية رايح جاي (1997)

تأخَّر ظهور فيلمه الطويل الأول والوحيد إلى عام 1997، وجاء مصادفةً في العام نفسه الذي ظهر فيه «إسماعيلية رايح جاي»، وقبل عام من ظهور «صعيدي في الجامعة الأميركية». وهما الفيلمان اللذان اعتُبرا بداية التحوّل الكبير الذي شهدته السينما المصرية في نهاية عقد التسعينات، إيذانًا بأفول عصر كامل من عصور الصناعة الأقدم في المنطقة، وبداية عصر جديد بمعادلات وأسماء وتركيبات مختلفة كليًا عمّا سبقها من موجات أو مراحل.

المصير ل يوسف شاهين
المصير (1997)

آخر مَن يعلم!

شهد عام 1997، إلى جانب «إسماعيلية رايح جاي»، عروض أفلام: «المصير» لنور الشريف ويوسف شاهين بعد عودته من تكريم ذهبية كان، «الجردل والكنكة 2» لعادل إمام ونادر جلال، «تفاحة» لرأفت الميهي وليلى علوي، «المرأة والساطور» لنبيلة عبيد وسعيد مرزوق، «حلق حوش» لليلى علوي ومجموعة المضحكين الجدد آنذاك، و«سمكة وأربع قروش» لجالا فهمي مع المجموعة نفسها –هندي وعلاء ولي الدين– اللذين سيتصدَّران واجهة الموجة الآتية بشكل عاصف، لتغرق الصناعة بالكامل بعد سنوات.

بدت السينما المصرية آنذاك ملوَّنة بمختلف الأنواع والحكايات والتوجّهات. وكانت أسماء مثل نور الشريف، ليلى علوي، عادل إمام، محمود عبد العزيز، ونبيلة عبيد لا تزال تتصدَّر الأفيشات بشكل لا يوحي بأنّ عصر هذه الأسماء يتّجه إلى أفول قريب على المستويين التجاري والجماهيري. لم يصمد منهم سوى عادل إمام طوال العقد التالي، بينما انسحبت معظم الأسماء المهمّة إلى الدراما التلفزيونية في محاولة لحفظ ماء النجومية.

في ذلك العام، حقَّق «إسماعيلية رايح جاي» إيرادات غير مسبوقة، في نجاح عشوائي يعكس تغيرًا ذوقيًا عميقًا، ما لبث أن كشف عن حقيقته المرّة مع فجر الألفية الجديدة. وبدا الجميع، سواء النجوم أو الصناعة نفسها، آخر مَن يعلم بحجم الموجة الآتية واكتساحها الهادر.

وسط هذا التحوّل الكبير، الذي حقَّق تغييرًا جذريًا في أقلّ من خمس سنوات، أقدم سيد سعيد، وهو على مشارف الستين من العمر (مواليد 1939) على تقديم تجربته الروائية الأولى، «القبطان»، من كتابته وإخراجه، وإنتاج شركة «وادي الملوك»، وتوزيع «سفنكس فيلم» للدكتور عادل حسني.

القبطان (1997)
القبطان (1997)

تأخَّر مشروع سعيد الأول نحو ربع قرن. ففي منتصف السبعينات كان مرشّحًا لإخراج فيلم «شفيقة ومتولي» من إنتاج يوسف شاهين، لكن الفرصة لم تكتمل، وذهبت التجربة إلى علي بدرخان. وبسبب ميوله اليسارية الواضحة، تعرَّض للاعتقال في عهد الرئيس السادات، ولم يخرج إلا بقرارات العفو التي صدرت في بداية عهد مبارك.

ضياع فرصة الفيلم الأول عقب التخرُّج في سنّ متأخّرة، مضافًا إليها تجربة الاعتقال المريرة، راكم كثيرًا من الألم في نفسيّة الرجل، التي اتسمت بقدر عالٍ من الرهافة والمزاجية الشعرية. في الثمانينات أخذ فرصته مع التلفزيون المصري، لكنّ السينما ظلت بعيدة عن متناول أفكاره وحكاياته المختزنة. فاتّجه إلى الشعر تارةً، وإلى القصة القصيرة، وحتى إلى الرواية. له رواية بعنوان «القابوطي» لم تصدر، وهي التي أُخذ عنها فيلمه «القبطان»، ثم حاول بعد عام 2011 الحصول لها على تمويل على هيئة فيلم سينمائي عبر لجنة الدعم الحكومية، التي لم ترَ في المشروع شكل الفيلم السينمائي المُتعارف عليه، وإنما مخطَّط روائي ضخم.

وفي العقد الأخير من حياته، لم يُنجز، كما أشرنا، سوى مشروعه الوثائقي الأول أيضًا، قبل أن ينسحب نهائيًا بهدوء.

سيدي القبطان

«إنما أُحدّثك لترى، فإن رأيت فلا حديث». هكذا يبدأ فيلم «القبطان»، بجملة لأحد كبار المتصوفة؛ النفري. وهي جملة تبدو سينمائية إلى حدّ كبير، وربما تعكس فهمًا عميقًا لطبيعة السرد السينمائي القائم أساسًا على الصورة بمشتملاتها، والتي تجعل المشاهد يرى من دون الحاجة إلى الحديث المباشر أو التوجيه الكلامي المعلن.

كما أن الجملة تتناسب مع اللمسة الغرائبية التي يكشف عنها سعيد في فيلمه عبر شخصية القبطان التي قدَّمها محمود عبد العزيز في أحد أداءاته الطريفة اللافتة. في ذلك العام حصل على جائزة مهرجان دمشق لأفضل ممثل عن دوره في الفيلم. هذا الرجل الذي لا نراه يطأ البحر بقدمه طوال الأحداث، كأنه يخشى الماء، أو كأنه جزء منه فلا يحتاج إلى النزول إليه، أو ربما لأنه ليس قبطانًا بحريًا من الأساس، رغم هيئة القباطين النمطية التي يبدو عليها: الذقن الكثيف، البايب الطويل، البيريه البحري المميّز، والبالطو الصوفي كثيف السواد.

ربما كان قبطانًا من نوع آخر، يقود سفينة روحية، بنظرة عميقة إلى الأرواح التي تركب معه، وبقدرات خاصة على اجتياز العواصف التي تواجه سفينته. بل يذهب الفيلم في النهاية إلى الإشارة إلى أنه ليس مجرّد رجل ذي خبرة بالشأن الروحي والبحري على السواء، وإنما لديه قدرات ماورائية تجعله، على سبيل المثال، يعرف أي شخص ويحكي له تاريخ حياته، كما يحدث مرتين، إحداهما مع نادل في بار أراد أن يطرده، والأخرى مع بواب فيلا أراد أن يمنعه وصحبته.

تبدو إذًا جملة النفري الافتتاحية تمهيدًا مناسبًا لهذه الحالة التي يريد صانع الفيلم أن يضعنا على طريقها. نحن أمام شخصية تتجاوز العادي والمُتعارف عليه والواقعي والطبيعي. شخصية نراها في البداية تقرأ الكفّ بالروسية، ثم تسمع الراديو بالفرنسية، وتترجم للصيادين المجتمعين في كوخه البحري الذي يشبه مقصورة مركب من الداخل، ويهيم مع تمثّله لحورية يونانية تغنّي على الشاطئ وهي تدلي قدميها البلوريتين في البحر.

وينتهي الفيلم بظهور معلومة خارقة لا يتمكن حاملها من إفشاء سرّها، وهي أنّ للقبطان صورة قبل مائة عام وقت افتتاح قناة السويس، وأن ذكره يأتي في أوراق غامضة باعتباره «القابوطي» الأصلي، الولي الذي تتبارك به بورسعيد منذ تأسيسها، والذي كان لأحد أبنائه شرف ضرب المعول الأخير في حفر القناة لخلط ماء البحرين ببعضهما.

هكذا يبدو كأننا أمام شخصية ذات جوانب ميتافيزيقية وتراثية وصوفية واضحة، تشير إليها جملة النفري في دلالاتها المتعدّدة، خصوصًا مع كمّ الحكمة التي تفيض من الرجل قولًا وفعلًا خلال فصول الحكايات المتشظّية، ووسط أجواء ديستوبية تعكسها الإشارة الزمنية في اللقطة الأولى إلى عام 1948، عام النكبة، حيث تصل المراكب والسفن الصغيرة مُحمَّلة بالفارين من جحيم الصهاينة وحربهم الدموية لإعلان دولتهم المحتلّة.

القبطان (1997)
القبطان (1997)

طبقات المريدين

كل الإشارات الروحية ذات البُعد الصوفي، المضاف إليه حبّ الغناء والموسيقى، من المفترض أنها ترسم صورة جذابة لشخصية مختلفة وذات حضور متعدّد الدلالة، خصوصًا عندما نراها تتحرّك وسط مجتمع الطبقة الدنيا من الصيادين الغلابة أو سكان حيّ الفقراء في المدينة ذات الميناء المهم الذي يربط حرفيًا بين الشمال والجنوب والشرق والغرب.

يكفي أن نشير إلى أنّ الخصم الأساسي للقبطان هو الحكمدار إسماعيل الخازندار، المنقول إلى بورسعيد حديثًا، والذي تستقبله قوات أمن المحافظة بالموسيقى العسكرية. هذا الحكمدار لا يفتأ يحاول أن يتذكر أين ومتى رأى القبطان، إذ يستفزه الرجل بظهوراته العجيبة في كلّ مكان تقريبًا؛ في حفلة فاخرة، أو في نادٍ راقٍ، أو في جولة على شاطئ البحر، أو في لحظة استرخاء لصيد السمك.

وفي كلّ مرّة ينتصر القبطان على الحكمدار، بشكل واقعي أو مجازي. تارة يهزمه في البلياردو، وتارة يقدّم له بشكل ساخر مجموعة تصاريح مختلفة حين يقتحم الحكمدار بيته ويقبض على الراديو الذي يستمع عبره القبطان إلى أخبار المتمرّدين في الهند وفيتنام، ويحكي للصيادين البسطاء عن انتصار أشباههم على السلطات المحتلّة أو الغاشمة.

كلّ ذلك يضعنا أمام شخصية أسطورية بالتعبير الدارج، أو ولي في ثوب حداثي، لديه من قدرات الأولياء وصلاحهم الروحي، ولديه من عربدات المتصوّفة في عالمهم الخاص، خصوصًا حين تجتمع حوله شلّة من المريدين، لكلّ منهم أزمة وجودية وروحية خانقة، فيلجأون إليه للشكوى أو الطمأنينة.

القبطان (1997)
القبطان (1997)

وجيدة (وفاء صادق) –ربما من الوجود أو الوجد– الجميلة الفقيرة التي جاءت نتاج زواج طبقتين، الأب لاعب كرة شهير اعتزل بعدما كُسرت ساقه وصار مدمنًا على الخمر، والأم ابنة الطبقة الأرستقراطية التي تركت الفتاة لأبيها المكسور.

ابن الملاوني (مصطفى شعبان)، الطالب الذي يحب وجيدة حين رآها للمرّة الأولى عارية تستحم في البحر ذات فجر، والموصوم بالعلاقة الفاضحة بين أبيه السمسار –خادم تراب الكامب الإنجليزي– وبين الجنرال الذي يسرّب المواد التموينية الخاصة بالجيش إلى السوق السوداء.

والشاب الأسمر، ابن العسكري المقتول في حرب فلسطين، الذي يحب وجيدة هو الآخر، ويدخل في صراع مع ابن الملاوني من أجلها، إلى أن تتزوّج قهرًا من الحكمدار العجوز.

والشاب الأشقر، ابن الذوات، طالب مدرسة الليسيه، الذي يرى وجيدة ذات مرة من نافذة سيارته الفاخرة، فيُسحر بها ويسير خلفها، إلى أن تلتقطه إحدى بائعات الهوى الشعبيات ليذوق الجسد الحيّ للمرّة الأولى، فيتخلَّص من أدران طبقته، ويصبح واحدًا من مريدي كوخ القبطان وخاصته.

وأخيرًا سعيد الذي يبدو قناع المخرج نفسه، وهو فتى لم يبلغ طور الشباب بعد، يعيش مع أمه وأخواته الثلاث، لكنه في كلّ مرّة تصل فيها سفينة مُحمَّلة باللاجئين الفلسطينيين، يصطحب طفلًا صغيرًا ممَّن فقدوا ذويهم، مدعيًا أنه ابنه، ومقرّرًا أن يربّيه ويتولّى مسؤوليته. وهو نفسه الذي يوصيه القبطان، وهو على فراش الموت، أن يكتب حكايته عندما يكبر.

تتفرّق خيوط الحكاية بين هذه المجموعة في خطوط قصيرة جانبية تحكي خلفياتهم، ثم تندمج في حبكة واحدة تدور حول القبطان وقدرته على أن يلمّ شتاتهم ويمنح كلًّا منهم ما يهدّئ روعه.

حين يستعر القلق في نفس وجيدة، يمنحها القبطان دفًّا لتشكو له همومها عبر النقر على جلدته المشدودة، وهي تدور مثل المجذوبة على شاطئ البحر.

القبطان (1997)
القبطان (1997)

ويمنح ابن الملاوني السمسمية ليتخلَّص من غضبه الداخلي تجاه أبيه «كلب الكامب»، ومحاولته فَهْم سبب رفض وجيدة له. ثم يعود فيمنح السمسمية نفسها للشاب الأسمر كي يغنّي عليها وقت اقتحامهم حفل ابن الذوات، للحصول على قسط من المتعة والطعام، وبثّ العبث في نفوس الطبقة البرجوازية والأرستقراطية المتخشِّبة والمنعزلة عن حال الشعب والعالم.

القبطان والقابوطي

يمزج سعيد بين شخصية القبطان وبعض ملامح سيدي القابوطي، الولي المدفون في مقام خشن فقير داخل قرية تحمل اسمه، وهي الجزء المتاخم لبحيرة المنزلة من ناحية محافظة بورسعيد المصرية، والتي كانت تُسمى في وقت ما «فينيسيا مصر» عقب افتتاح القناة، لأنه في وقت المدّ كان يتعذَّر على الصيادين من سكانها الوصول إليها إلا بالقوارب.

وكما سيدي الغريب في السويس، والسيد البدوي في طنطا، والدسوقي في كفر الشيخ –مثل عادة المدن المصرية أن يكون لكل منها ولي يرعاها ويصبح محطّ الشكوى وواسطة النجاة الروحية أو الدعاء بالخير– فإنّ القابوطي هو حامي بورسعيد ووليّها المعروف. ونلاحظ بالطبع الجناس الجزئي بين كلمتي «القبطان» و«القابوطي». وهناك روايات عدّة عن مصدر الكلمة التي ظهرت في سنوات حفر قناة السويس.

القبطان (1997)
القبطان (1997)

المهم بالنسبة إلينا أنّ سيد سعيد يمنح قبطانه بعضًا من كرامات الولي، ممزوجة بصوفية خشنة. منها، كما أشرنا، قدرته على معرفة تاريخ الأشخاص، أو قدرته على منح السكينة عبر الموسيقى والغناء، كما منح الدف لوجيدة والسمسمية لابن الملاوني. ومنها وجوده في أكثر من مكان في الوقت عينه، ومنها تعدُّد مرات موته في النهاية ثم انتباهه من الموت على أثر سماعه صوت إيلينا، حورية البحر اليونانية التي يعشقها في صمت. ومنها اختفاؤه الكامل من دون أثر، لا في المكان ولا في ذاكرة كلّ مَن عاصروه، إلا الحكمدار الذي يكاد يُجنّ حين يبحث عنه في النهاية فلا يجده، ولا يجد مَن يذكره أو يتحدَّث عنه بخير أو شرّ.

هنا تحديدًا يمكن التوقُّف أمام إحدى معضلات الفيلم غير المفهومة كليًا، أو التي تحمل تناقضًا غير مريح بين الأبعاد التي حرص المخرج على رسمها لشخصية القبطان في جانبها الماورائي الخارق والمختلف، وبين محاولة أنسنته في الوقت عينه بشكل صريح ومكشوف.

في مقابل «كرامات القبطان» في جانبه الروحي، نجد أنّ الفيلم يتتبع خيطًا خاصًا به يتمثَّل في شعوره بالجوع ودخوله لتناول الطعام في إحدى الحفلات المفتوحة، ثم تعرّضه للطرد من دون أن يملك أيّ وسيلة ماورائية لمقاومة هذا الطرد. وهو ما يتناقض مع دخوله بارًا فخمًا، حيث يحاول النادل طرده، فيفاجئه القبطان بأنه يعرفه ويعرف أمه ومهنتها وأسلوبها مع الزبائن، ممّا يصيب النادل بالرعب ويتركه يجلس كما يشاء.

وكذلك ما حدث مع البواب الذي حاول منعه من دخول حفلة مع صحبته، فجاء له القبطان بتاريخ حياته الذي يتضمَّن سؤالًا عن توقيت خروجه من السجن، ممّا يصيب البواب بالذعر أيضًا، ويترك القبطان يدخل مع خاصته.

إذن، ما السرّ وراء ظهور هذه الكرامات أحيانًا واختفائها أحيانًا أخرى؟ أو بمعنى أدقّ، ما المعيار الدرامي وراء بزوغ هذه القدرات أو غيابها؟ وكيف يتعرَّض القبطان، بكلّ قوته الجسدية والروحية وقدراته الشفائية -كما نراه يعالج مروان الفلسطيني الصغير بتركه في ماء البحر تحت الشمس وتلاوة صلاة شعرية تمنح الطفل البراءة من المرض وتعيد له صحته– كيف يتعرَّض للضرب المُبرح على يد العساكر خلال استجوابه من أجل الوصول إلى ابن الملاوني، قاتل الجنرال الإنجليزي، ومكان اختبائه؟

وأخيرًا، ما حكاية الحورية اليونانية الجميلة التي تظهر له بشكل طيفي منذ أن حكى له البارمان اليوناني عن ابنة أخيه التي انضمَّت إلى الشيوعيين في اليونان ضدّ الفاشيين، فصار القبطان يتمثّلها في مواضع كثيرة على البحر، تغني بصورة وصوت ساحرين؟

القبطان (1997)
القبطان (1997)

مَن هو القبطان وسط هذا كلّه؟

هل هو حفيد القابوطي أم امتداد له؟ هل هو شيخ من أهل البحر الذين ذهبوا إلى آخر العالم وعادوا بكلّ الخبرات والحكمة الممكنة والمستحيلة؟ هل هو مجرّد إنسان عادي لديه من الجاذبية والذكاء ما يمكّنه من لعب أدوار مختلفة في حياة الآخرين، لكنه في النهاية كيان هشّ يمكن أن يحب ويتعرَّض للضرب ثم يموت مُهمشًا وتختفي سيرته؟

هل هو من أصحاب «الخطوة» بالتعبير الشعبي –الظهور في أكثر من مكان وقطع المسافات بسهولة ومن دون وقت– أم هو مجرّد رمز أو دلالة على جانب من الشخصية المصرية التي هضمت عرقيات وثقافات ومحنًا كثيرة، وفي كلّ مرة تتجدَّد وتبعث من جديد في هيئة مغايرة؟

هل هو مقاوم من طراز خاص لديه القدرة على التصدي للصراعات الطبقية في مجتمع تتآكله المعايير المزدوجة وتناقض ثنائيات الشعب والسلطة والفقر والغنى والحبّ والاشتهاء والشرف والخيانة؟ حيث يتحرّك القبطان ومعه مريدوه في ظلّ هذه الثنائيات كما تتجلَّى في وجيدة نفسها، ابنة لاعب الكرة الشعبي وبنت كريمة المجتمع، ثم محاولة الطبقة نفسها استردادها عبر تزويجها من الحكمدار العجوز، رمز السلطة الباطشة، حارسة الفوارق الطبقية وهادمة اللذات الاجتماعية ومغلقة المجال العام لصالح حرمة النظام القائم وأركانه، كما نرى في تكرار مَشاهد تكسير الحكمدار الراديو الخاص بالقبطان لمنعه من أن يحكي للصيادين عن ثورات الشعوب ضدّ مستعمريها ومستغلّيها.

القبطان (1997)
القبطان (1997)

مَن هو القبطان وسط كلّ هؤلاء؟ ربما لا يعني الفيلم الإجابة. ربما كان مهمومًا بالسؤال، قاصدًا الغموض لإثارة الذهن. وربما أيضًا لا يعدو الأمر أكثر من تشوّش فكري من صانع الفيلم، أو حالة من زحمة الأفكار والرؤى التي تنتاب المخرجين حين يقدّمون أفلامهم الأولى، مهما كانت فئتهم العمرية. وسيد سعيد، رغم كونه أخرج هذا الفيلم في سنّ الحكمة المخزنة، فإنه في النهاية لم يكن سوى مخرج يقدّم عمله الأول، وبالتالي يفتقد إلى خبرات السيطرة على الرؤى والحبكات الفرعية والتشتت والرغبة في ملء جوف الفيلم بالتفاصيل والدلالات حتى التخمة، ليصبح لدينا أكثر من فيلم داخل التجربة الواحدة، وسياقات تفتقد الهارمونية السلسة التي تحقق التجانس المطلوب.

كما لا يُخفى حتى على العين غير المدرَّبة ركاكة تنفيذ عدد من المَشاهد، سواء على مستوى التوجيه أو أداء الممثلين الشباب آنذاك، وغياب الخصوصية عن أداء محمود عبد العزيز، الذي رسم لنفسه صورة مكرَّرة من أداءات ثابتة راح يستعملها في غالبية أفلام حقبة التسعينات، سواء عبر إفيهات جسدية أو كلامية أو في أسلوبية التعامل مع الممثلين الآخرين.

يمكن أن نخلُص إلى أنّ «القبطان»، بعد ثلاثين عامًا من صناعته، لا يزال فيلمًا غير سلس الاستيعاب بالنسبة إلى الجمهور العادي، ونخبويًا متحذلقًا بالنسبة إلى بعض المثقفين، وحالمًا بالنسبة إلى السينمائيين الذين يرونه مغامرة جريئة من صانع أراد أن يشارك نظرته للعالم مع الآخرين عبر النور والحركة والإشارة، لا عبر العبارات الضيّقة.

في النهاية، يمكن الإشارة إلى مقطع من حوار قصير أجراه الناقد المغربي عبد الكريم واكريم مع المخرج الراحل، حيث يقول:

«لاحظ أننا نحلم بالليل ونتحرّر كثيرًا داخليًا في الليل. أنا كائن ليليّ، أعمل وأتأمّل وأكتب بالليل. النهار مليء بصخب الحياة اليومية، النهار يوازي الواقع، أما الليل فيسمح بدخول الصور. حتى الصور المضيئة تقتحم الليل. إنه لا يُخفي كما يعتقد البعض بقدر ما يُظهر بؤرًا مضيئة تبدو أشدّ سطوعًا. إذا أنرت مصباحًا كهربائيًا بالنهار في نور الشمس فلن يبدو لك ضوءه، لكن في الليل ضوء قليل قد يبدو لك ساطعًا. وهنا تتجلّى المبالغة. في الليل نحلم، فيه نرى الكوابيس، وأحيانًا يحلو فيه التأمّل الذاتي، إذ إن الإنسان يكون وحده».

فهل أراد سيد سعيد، حين أنجز فيلمه الوحيد «القبطان»، أن يصنع فيلمًا له ميزات الليل كما كان يشعر به، ويتأمّل عبره الوجود والعالم؟ ربما.

اقرأ أيضا: «ضياء شمسي»… دفاعًا عن جوهر الفيلم القصير

شارك هذا المنشور

أضف تعليق