فاصلة

مراجعات

«اغتراب»… تونس مهدي هميلي قدرية ويائسة

Reading Time: 4 minutes

يقدّم المخرج التونسي مهدي هميلي في ثالث أفلامه الروائية الطويلة (رغم أنه يتنصّل من فيلمه الأول كما فعل كلود لولوش وستانلي كوبريك)، عملًا قويًا يؤكّد مكانته كأحد أبرز صنّاع الصورة في جيله. السينما التونسية، رغم محدودية إنتاجها، تمرّ بفترات من التألّق، وهي تعيش منذ الثورة حالة من الانتعاش، تتجلّى في حضورها المستمر في المهرجانات السينمائية الدولية. ولعلّ ما قاله أحد النقّاد العرب ليس مبالغة: فهذه السينما تُعدّ الفضلى في المنطقة، إذا ما قارنّا بين عدد الأفلام الجيدة وعدد الأفلام المنتجة سنويًا.

«اغتراب»، جديد مهدي هميلي، الذي شاهدناه في الدورة الأخيرة من مهرجان لوكارنو السينمائي (يعود إليه للمرة الثانية، وإن هذه المرة خارج المسابقة) يجسّد حيوية السينما التونسية، وتعدد زوايا النظر إلى تونس ما بعد الثورة، سواء من حيث الموضوع أو المكان أو الطبقة الاجتماعية أو الشخصيات. ورغم حالة الجمود السياسي التي تخيّم على البلاد منذ انتخاب قيس سعيّد رئيسًا، فإن هذه السينما تبدو في حالة من التجدّد الدائم، مستمدةً نبضها من الشارع. وقد بدا لي، من خلال مشاهداتي الأخيرة، أن لا فيلم تونسيًا يكرّر ما قاله فيلم تونسي آخر. هناك تعددية محبّبة ووعي متزايد بأهمية التميز.

اغتراب (2025)
اغتراب (2025)

كلّ شيء في فيلم هميلي يبدو طازجًا: الفضاءات، الوجوه، الإيقاع، النظرة. لكن الأهم من ذلك، أنه ينبثق من مكان حقيقي، من بيئة ملموسة، من مناخ اجتماعي وثقافي معيّن. إنه ليس مجرد نصّ طافٍ في الهواء أو فكرة تسبح في الفراغ، إنما عمل يملك مرجعية واضحة وخصوصية نادرة، تجعلك تشعر عن حق أن هذه القصّة لا يمكن أن تحدث إلا هنا، وربما في هذه اللحظة بالذات.

بعد «المستعمرة» للمخرج المصري محمد رشاد، الذي اتّخذ من أحد المصانع مسرحًا لأحداثه، فيلم آخر تدور جلّ فصوله داخل معمل للحديد. غير أن الفارق شاسع: ففي حين تعثّر المصري في تحقيق رهاناته الجمالية والسردية والتجسيدية، ينجح التونسي في تجاوز تلك التحديات بثقة، محقّقًا عملًا متماسكًا ومقنعًا على أكثر من مستوى. اللافت أن هذا النوع من السينما، الذي يحمل في خلفيته سمات وثائقية قوية، ويغوص في المكان والديكور والبيئة المادية، بات يشغل حيّزًا متزايدًا ضمن الخريطة السينمائية المعاصرة، وذلك بالتزامن مع تضاؤل الفجوة بين الروائي والوثائقي. هذه الأفلام، و«اغتراب» منها، لا تستخدم المكان كخلفية صامتة فحسب، بل تحوّله إلى شخصية قائمة في ذاتها، حضورها لا يقل كثافةً أو تأثيرًا عن حضور الشخصيات البشرية، بل يطغى عليها أحيانًا.

وإذا كان للمكان أن يتحوّل إلى كائن حيّ، ذي روح وذاكرة، فإن هميلي يتقن هذا التحويل، إذ يجعل الفضاء الصناعي البارد بقعة غنية بالمعاني، ومصدرًا للتوتّر والحساسية البصرية والدرامية.

«اغتراب»… تونس مهدي هميلي قدرية ويائسة
اغتراب (2025)

في هذا المناخ القاسي، حيث تسحق الآلات الإنسان تحت وطأة العمل والعنف البنيوي، نتعرف إلى محمد (غانم زرلي)، العامل الذي يتحرك في داخله الغضب بعد موت زميله وصديقه في حادث عمل مروّع، تركه هو نفسه على شفير الموت. بعد خروجه من المستشفى، إثر عملية جراحية زُرعت خلالها قطعة حديد في رأسه، تتبدّل نظرة محمد إلى العالم. لم يعد ذلك العامل الصامت الذي يقبل بالأمر الواقع. قراره حاسم: الانتقام من كلّ من كان له يد في موت صديقه. غير أن الدافع الحقيقي لتحرّكه يظلّ غامضاً: هل هو الانتقام لضرره الشخصي؟ أم أن مقتل الصديق أيقظه لكسر قدرية خُيًّل إليه طويلًا أنها لا تُكسر؟ هذا الجانب يظل ملتبسًا، كأن الفيلم يريد أن يُبقينا في منطقة رمادية، تمامًا كما هي حال بطله. ما نراه بوضوح، هو أن محمد سيخوض هذه المواجهة حتى نهايتها، بشراسة لا هوادة فيها، ولن يتراجع أمام أي تهديد. وفي كل مرة نظن أنه اقترب من فكّ خيوط الجريمة، نجد أنه غاص أعمق في دهاليزها، التي تشبه دهاليز حياته نفسها، حيث تُرغمه الظروف وضغوط المجتمع على طمس الحقيقة والتسليم بالواقع. أقله، هذا ما يحاول الآخرون إقناعه به: أن ينسى، أن يمضي، أن يصرف النظر.

اغتراب (2025)
اغتراب (2025)

بهذه البساطة تنطلق حبكة «اغتراب»، لكنها لا تبقى عند هذا الحد. فالمخرج، بين الحين والآخر، يرفد السرد بفجوات درامية تمنح الفيلم بُعدًا تأمليًا وتكسر خطّيته. لكن ما يُضفي على العمل بهاءه الحقيقي، وما يرفعه إلى مصاف التجارب اللافتة، هو المعالجة البصرية التي تضعنا داخل مناخ بصري لا يمكن تذوقه على نحو كامل إلا عبر الشاشة السينمائية، حيث تتجلّى التفاصيل وتتكشّف الطبقات. نحن هنا في صميم السينما، حيث تتضافر جميع العناصر، من الصورة إلى الصوت، فمن الإيقاع إلى المونتاج، لتشكّل تجربة حسية كاملة. وإذا كان الفنّ يمكن أن يُعرَّف بتعريفات كثيرة، فإن أجمل تعريف له ربما يكون قدرته على تحويل ما نمرّ به في حياتنا اليومية بلا اكتراث، إلى أشياء نحدّق فيها طويلًا. انطلاقًا من هذا المبدأ، يغدو ليل تونس والمصنع وتفاصيل كثيرة، في فيلم هميلي، فضاءين شاعريين، يبتلعان المُشاهد كإعصار، فيُعاد تشكيل علاقته بالمكان والواقع والبشر.

نتوقّع من شخصيات الفيلم أن تكون على صورة المكان: قاسية، صلبة، صارمة. وهم كذلك، إلى حدّ ما. لكن النظرة المتأنّية تكشف ما هو أبعد من القسوة. فهناك طبقات أخرى، تفاصيل دقيقة لا يُفصح عنها مباشرةً، يُترَك أمر التقاطها إلى حساسية المُشاهد ووعيه. لا يختار المخرج شخصية تشبهه، إنما شخصية يمكن أن يقول من خلالها شيئًا عن الإنسان والواقع والتمزق الداخلي في بلاده. في هذا السياق، يمكن اعتبار محمد شخصية تعبيرية: قاسٍ ومرهف في آنٍ واحد، يحاول الخروج على النصّ، يرفض الخضوع، يعترض على ما يقبله الآخرون طوعًا، في بيئة ومجتمع يصهران الفرد ببطء حتى يتحوّل، عاجلًا أم آجلًا، إلى متطوّع في ماكينة الاستسلام الجماعي.

اغتراب (2025)
اغتراب (2025)

عنوان الفيلم، «اغتراب»، يحمل وزنًا رمزيًا وليس مجرد دلالة سطحية. نحن أمام فيلم عن الاغتراب، لا بالمعنى الاجتماعي، إنما الاغتراب العميق داخل الإنسان، داخل المكان الذي ينتمي إليه، داخل الجغرافيا التي تصيبه بجرح. ومن هذا المنظور، لا يمكن فصل الفيلم عن الواقع التونسي المعاصر: تونس التي تعيش فصلًا جديدًا من فصول القمع والتهميش. تونس التي يُخيّم عليها الفساد، ويُسحَق فيها الكادحون تحت ثقل العنف الممنهج، والتي يغيب عنها، بشكل مفجع، أي إمكان حقيقي للحلم أو الأمل أو الإيمان بالتغيير. في حديث لي مع هميلي، قال: «هذا فيلم قاتم، قدري، يائس. وكما في تراجيديات شكسبير، لا نهاية إلا بالموت، لكنه موتٌ يتحوّل إلى رمز، إلى صرخة، إلى لحظة وعي مؤلمة، وإلى حقيقة نهائية لا مهرب منها».

اقرأ ايضا: مهرجان لوكارنو: حين تنطق الشاشة بأكثر من لغة

شارك هذا المنشور