فاصلة

مقالات

اختيارات نقاد «فاصلة» لأفضل أفلام 2025

Reading Time: 13 minutes

لا يُلخَّص هذا العام السينمائي بكونه موسمًا للاحتفال السهل أو للإجماع المريح. فقد بدا أقرب إلى مساحة اختبار مفتوحة، تداخلت فيها الرغبة في التجديد مع القلق، والبحث الجمالي مع ثقل الواقع. لم تسعَ سينما هذا العام بالضرورة إلى الإبهار، بقدر ما حاولت أن تُصغي إلى العالم والإنسان، وإلى أسئلة لم تعد تجد إجابات أكيدة. كان عامًا تتقدَّم فيه الأفلام أحيانًا بخجل، وأحيانًا بجرأة، لكنها نادرًا ما اتّخذت موقع الحياد.

على امتداد الأشهر، شاهدنا عودة مخرجين مخضرمين بأعمال تحمل آثار الزمن والخبرة، في محاولات لإعادة قراءة الحاضر أو مساءلة الماضي. وفي المقابل، فرضت أصوات جديدة حضورها، بوصفها أكثر حساسية تجاه التحوّلات، وأكثر استعدادًا للمخاطرة. بين هؤلاء وأولئك، بدت السينما وكأنها تتحرّك في منطقة وسطى؛ لا تقطع صلتها بالتقاليد، ولا تستسلم لها بالكامل.

تميَّز العام بتنوّع لافت في المقاربات والأساليب. أفلام اشتغلت على الهامش، وأخرى أعادت التفكير في مفاهيم البطولة والعائلة والهوية والمنفى والجسد والزمن. أعمال اختارت البطء والتأمّل، وأخرى راهنت على الكسر والاضطراب، لكن القاسم المشترك بينها كان إحساسًا متناميًا بأنّ السينما لم تعد تكتفي بسرد القصص، بل باتت منشغلة بكيفية سردها، ولماذا تُروى أصلًا.

نقّاد «فاصلة» واكبوا هذا المشهد من قلب المهرجانات الكبرى، مثل كانّ وبرلين والبندقية، ومن عروض أقل صخبًا لكن أكثر كثافة، حيث تُختبر الأفلام بعيدًا عن منطق الترتيب والجوائز. وكما في كلّ عام، لم تتوحّد الآراء ولم تتطابق القراءات، لأنّ السينما نفسها لم تكن واحدة ولا متجانسة.

في هذه الجردة، نُشارككم اختيارات نقّاد «فاصلة» لأبرز أفلام العام. ليست قائمة نهائية، ولا محاولة لتثبيت ذائقة واحدة، بل مجموعة قراءات شخصية لأفلام تركت أثرًا، وفتحت أسئلة، وبدت، كلّ بطريقتها، جديرة بالبقاء في الذاكرة.

Sentimental Value
Sentimental Value (2025)

أحمد شوقي – قيمة عاطفية

الأبوة، الإبداع، البيت، الذاكرة، الأسرة، الأخوّة؛ مجرّد أمثلة على التيمات التي يزورها فيلم المخرج النرويجي يواكيم ترير العذب «قيمة عاطفية»، أول أعماله بعد استكمال ثلاثية أوسلو، وإن كان من الممكن اعتباره استكمالًا لها. يواصل فيه صانع الأفلام الموهوب تفتيشه المستمر عن تعقّد النفس البشرية، الذي يفرز تعقيدًا أكبر مع من حول الفرد، وفي مقدّمتهم أقرب الناس إليه، الذين يفترض مَن لا يعرف أنّ العلاقة معهم صحيّة بطبيعتها، رغم أنّ مشاهدات الحياة اليومية تؤكد عكس ذلك.

أداء تمثيلي من الطراز الرفيع يُقدّمه أبطال الفيلم، وفي مقدمتهم ثنائي البطولة: المخضرم ستالين سكارسغارد في دور الأب، الفنان الموهوب القادر على تكوين علاقات عذبة في نطاق عمله، لكنه فاشل في تحقيق الأمر نفسه داخل أسرته، ونجمة السينما الأوروبية الصاعدة ريناته رينسفي، التي عاشت تحمل ألم رحيل الأب الصادم، لكنها تُكرّر المأساة بحذافيرها. فلو استثنينا أختها من المعادلة، سنجدها هي الأخرى تعيش مشاعرها الحقيقية على المسرح وأمام الكاميرا، وتتعثَّر في تنشيط المشاعر ذاتها في الحياة اليومية.

ما من شخصية في «قيمة عاطفية» إلا وكُتبت بعمق روائي مثير للدهشة: الشقيقة الصغرى التي خاضت المسارَيْن، فاختبرت الوالد في البيت وموقع التصوير؛ الممثلة الأميركية التي تخرج من عالمها الآمن بحثًا عن هشاشة تمنحها التقدير؛ وحتى ابن الأخت الصغير، الذي يستمتع باللحظة كما فعلت والدته قبل سنوات، لكنه لا يدرك أنّ أيام المتعة تُفضي إلى أعوام من الحسرة والندم. تعقّد يليق بنص روائي متعدّد الأصوات، وهي ذروة لفنّ السيناريو نادرًا ما تحدث: إدراكنا في النهاية أننا نعرف عن هؤلاء البشر أكثر بكثير مما أخبرنا به الفيلم.

يولي المخرج عناية تصل حدّ التقديس لمواقع التصوير، للبيت الشاهد على أجيال عاشت داخله، للوطن الذي يعيش حاضرًا من الرفاهة لا يُخفي آلام الماضي وتصدُّع الحاضر، وحتى للأماكن العابرة التي يدور فيها مشهد واحد؛ مطعم قديم يلتقي فيه الأب وابنته، بيت مصوّر شبه متقاعد، وحتى شاطئ متوسطي يشهد ليلة لا تُنسى. وإذا كان السيناريو والممثلون ومواقع التصوير هي أدوات صانع الأفلام الرئيسية، فإنّ يواكيم ترير قد وظّف أدواته ليمنحنا فيلمًا فريدًا من نوعه.

Dry Leaf (2025)
Dry Leaf (2025)

فراس الماضي – ورقة جافة

ربما ما يجعل فيلم «ورقة جافة» للمخرج الجورجي ألكسندر كوبيريدزه أكثر أفلام هذا العام فرادة، هو تلك القدرة المباغتة على إعادتنا إلى الدهشة السينمائية الأولى؛ دهشة لا تنبع من ثقل الموضوع ولا من تعقيد الدلالة، بقدر ما تنبع من صميم الوسيلة ذاتها، كاختلال محسوب في طريقة الرؤية، ينعكس جذريًا على جلّ السرد. وهو امتداد متقدّم للمشروع السينمائي الذي اشتغل عليه كوبيريدزه منذ بداياته في «دع الصيف لا يأتي أبدًا» و«ماذا نرى حين ننظر إلى السماء؟»، عبر مساءلة علاقة المشاهد بما ألفه من قوالب جاهزة للتلقي، وإعادة التفكير في السينما باعتبارها فعلًا يقوم على ما يتسرّب ويتفكك ويغيب، وعلى ما يفلت من القبض أكثر مما يستقر ويُحكم في حدود معناه.

يتجلّى هذا التوجّه حرفيًا منذ اللقطة الأولى، في الاختيار البصري الذي حكم الفيلم بأكمله، من خلال تصوير العمل بعدسة هاتف «سوني إريكسون» القديمة، لصورة مشوّشة ذات بيكسلات متكسّرة، تميل إلى بقايا ذاكرة منهكة أكثر منها إلى تسجيل رقمي يسعى إلى الإبهار أو الاكتمال. هشاشة تجعل الغموض جزءًا من بنيتها الداخلية، لا خللًا تقنيًا فيها، وتضع المشاهد منذ اللحظة الأولى أمام عالم يُقدَّم بوصفه أثرًا قابلًا للانمحاء.

أما حكاية الفيلم، فلا يخفي كوبيريدزه بساطتها. ليزا، المصوّرة الشابة، تختفي فجأة، تاركة رسالة قصيرة تطلب فيها من عائلتها ألا يبحثوا عنها. وإنما والدها إيراكلي، المعلّم البسيط الذي يؤدّي دوره والد المخرج نفسه، لا يقبل هذا الغياب، فيترك عمله ويستعين بصديق ابنته ليفاني، لينطلق في رحلة عبر القرى الجورجية بحثًا عنها. لكن منذ اللحظة الأولى، يضعنا كوبيريدزه أمام مفارقة سردية دقيقة: فالشخصية المحورية، ليزا، غائبة تمامًا عن الشاشة، بينما يظل ليفاني، الرفيق في الرحلة، غير مرئي هو الآخر، مثل طيف لا يتجسَّد، حاضرًا فقط عبر صوته.

بهذا الاختيار، يُدخل كوبيريدزه عنصرًا فنيًا بالغ الدلالة؛ فكلّ شيء يبدو كما لو أنه ينتمي إلى طبقة أخرى من الوجود، أقرب إلى الذاكرة أو الأثر منه إلى الحضور الفيزيائي، بما يضع السينما في فعل ما تستدعيه الذاكرة ويُكمله الخيال. فغياب الصورة لا يعني بالضرورة غياب الكائن، بل قد يشير إلى تحوّل حضوره إلى صيغة أكثر هشاشة، وربما أكثر عمقًا.

لكن ما يمنح «ورقة جافة» ثقله الحقيقي هو تحويل الفقر البصري إلى فعل مقاومة جمالي. ففي زمن تُقاس فيه السينما المعاصرة بمدى صفاء صورتها ووفرة تفاصيلها، يختار كوبيريدزه أن يجعل من النقص شرطه الشعري الأساسي، ويؤسّس لغته على ما يتركه غائمًا. وهكذا يتحوّل الغياب من نقص سردي إلى مبدأ جمالي منظِّم للتجربة. فنحن لا نرى ليفاني، لكن حضوره الشبحي يكتسب كثافة تفوق أي جسد؛ ولا نرى ليزا، وإنما غيابها هو المحرّك الخفي لكل حركة في الفيلم؛ ولا يظهر العالم بملامحه الكاملة، لكن ضبابيته نفسها تغدو طريقًا إلى جوهره. وهكذا فإن «ورقة جافة» عمل يذكّرنا بأنّ السينما فنّ التأمل قبل النظر، والإصغاء عند حدود الصورة، وتحويل ما يتفتّت إلى أثر خالد؛ بيان جمالي ضد الكمال، وتجربة تنحفر في الذاكرة، تمامًا مثل ورقة جافة تتطاير في الريح، لكنها تظل تحمل سرّ السينما في سقوطها.

Nouvelle Vague (2025)
Nouvelle Vague (2025)

هوفيك حبشيان – موجة جديدة

البقاء لامبالياً أمام «موجة جديدة» لريتشارد لينكلايتر صعب، وأنت أصلاً جئتَ إلى المشاهدة من هذه السينما ذاتها التي يتناولها. يقدّم الفيلم تحية مركّبة: للشاشة، لجان لوك غودار، وللفكر الثوري الذي وُلد من داخل الفنّ والتجريب، من دون أن يكون استذكارًا تاريخيًا بليدًا، بقدر ما هو احتفاء بروح التمرّد وطرح متجدّد لأسئلة الخلق الفنّي في ظلّ الحرية والاستقلالية، وهي أسئلة صالحة لكلّ زمان ومكان.

من أجل إنجاز فيلم منصف وحقيقي وأصيل، يأتي لينكلايتر بنظرة معاصرة موحية وممتنّة للماضي. يعود إلى البدايات الأولى لـ«الموجة الفرنسية الجديدة»، مستعرضًا أبطالها: كلود شابرول، فرنسوا تروفو، جان لوك غودار، إلى جانب إريك رومير وجاك ريفيت، وكلّهم قادمون من النقد السينمائي. يركّز على الثلاثي الأول، مع إبراز دور المنتج جورج دو بورغار، الذي منح غودار فرصة إخراج «على آخر نفس» (1959) بلا شروط كثيرة، هذا الفيلم الذي صُوِّر خلال عشرين يومًا، وأحدث قطيعة جذرية مع «سينما الآباء». نتابع غودار وهو ينبذ معظم ما تكرّس من قبله، يحتقر السينما الأدبية المشغولة بين جدران أربعة، باستثناء قلّة من الأسماء، ويؤمن بالفنّ أداةً للتحرّر.

يرصد لينكلايتر، بدقّة بحثية، الضغوط التي أحاطت بغودار: منتج يريد فيلمًا جذّابًا، ممثّلة متردّدة مثل جان سيبيرغ، وفريق عمل حائر أمام مشروع بلا خطّة واضحة. تدريجيًا، سيتحوّل غودار من ناقد شاب إلى مخرج يقلب تاريخ السينما، مخترعًا «قواعد» جوهرها غياب القواعد، معتمدًا على الحدس والارتجال والتقشُّف.

بصريًا، يعيد لينكلايتر بناء عالم الستينات بإتقان مذهل: الأبيض والأسود، الإيقاع، التفاصيل الصغيرة؛ كلّها تُحيي الزمن بعيدًا من الحنين، تلفّها طاقة مغامِرة. وهنا تبرز خصوصية أن يكون مخرج الفيلم أميركيًا، إذ يقترب من الحكاية مثل الذي يُنقّب في منجم ذهب، لا كوارث لمجموعة من المجوهرات، مانحًا التجربة حساسية هجينة، إلى جانب مقاربة هزلية خفيفة تلامس ذاكرة السينيفيليين بمحبّة. أما الممثّلون فلا يقلّدون الشخصيات، بل يجسّدون روحها، مما يجعل الشبه مسألة ثانوية.

«موجة جديدة» تذكير بمركزية غودار في تطوّر السينما. معه نعي أن ما كان يُعدّ تجريبًا عبثيًا صار طموح كلّ سينمائي، من دون أن يستطيع بالضرورة تحقيقه. ولئن كانت السينما عملًا جماعيًا، فلا ينسى الفيلم الإضاءة على دور شركائه، وفي مقدّمهم المصوّر راوول كوتار، في تأسيس لغة بصرية جديدة. لكن، هل فكّك لينكلايتر الأسطورة؟ لا. لقد قرّبها منّا من دون أن ينزع عنها هالتها، وهذا في ذاته إنجاز.

One Battle After Another (2025)
One Battle After Another (2025)

عبيد التميمي – معركة تلو الأخرى

في اللحظة التي يُقرر فيها بول توماس أندرسون إدخال أغنية Dirty Work، مًدشّنًا البداية الفعلية للفيلم، في إحدى أفضل لحظات الـNeedle Drop التي شهدناها في السنوات الأخيرة، يبدأ بتقديم عمل جديد كليًا، بنبرة مغايرة ومناقضة للمقدّمة الملحمية الثورية التي افتُتح بها.

يبرهن أندرسون على قدرة استثنائية في التحكم بنبرة عمل ضخم، مترامي الأطراف، ومتعدّد الشخصيات. فهذه النبرة الجديدة، التي تدشّنها فرقة ستيلي دان مع الأداء اللافت لبينيسيو ديل تورو، تناقض تمامًا النبرة الجادة والصارمة التي سيطرت على البداية. بعد سلسلة من مَشاهد التفجير، وإطلاق النار، والمطاردات، والحديث عن الثورة على النظام، ينقلب الجوّ العام للفيلم إلى إيقاع أقل تسارعًا وأكثر هدوءًا، ليفسح المجال أمام دراما عائلية مألوفة بطلها أب يصارع إدمانه للحشيش والكحول، ويحاول مداواة صدمة خسارة شريكة حياته ووالدة ابنته، وابنة نشأت داخل هذه البيئة الانفصالية، وتجد نفسها في كثير من الأحيان تتحمّل مسؤولية رعاية والدها.

يحرض الفيلم على طيف واسع من المشاعر خلال مشاهدته، لكن في ذلك المشهد تحديدًا، حين يطلب معلّم الكاراتيه سيرجيو (ديل تورو) من ويلا (تشيس إنفينيتي) ألا تنسى أن تتنفّس في أثناء تأدية روتينها الاستعراضي، لم أستطع كبح سعادتي المفرطة. فهناك تجارب سينمائية نادرة تجعلك تدرك قيمة المرة الأولى التي تُشاهد فيها الفيلم، وهذا المشهد تحديدًا يندرج بلا شك ضمن تلك اللحظات النادرة.

وبعدما نبتعد مؤقتًا عن ضوضاء الثوار، ونسترخي قليلًا داخل المستقبل الذي استطاع بوب فيرغسون (دي كابريو) تأمينه لابنته، يبدأ أندرسون بتسريب التوتر والضغط النفسي إلى أجواء الفيلم، مثل غازٍ مسموم. يعود كابوس القلق والشك، والخوف من كلّ وجه في محيطك، مع شعور دائم بأن أي شخص قد يكون قادمًا لقتلك أو للقبض عليك. في «معركة تلو الأخرى» إنجازات كثيرة، لكن ما يُحققه بول توماس أندرسون على مستوى التحكم بأجواء الفيلم ونبرته السردية، وقدرته على تقديم حالات متضاربة ومتعاكسة من دون الإخلال بصوت الفيلم ككل، هو ما يجعله أحد أهم أعماله وأكثرها ثورية.

العميل السرّي
The Secret Agent (2025)

شفيق طبارة – العميل السرّي

في فيلمه الروائي السادس، يواصل البرازيلي كليبر ميندونسا فيلهو التصوير في مسقط رأسه بيرنامبوكو وعاصمتها ريسيفي، متبنّيًا تقاليد أفلام التجسّس، متأنيًا في عمله، ومنحرفًا أحيانًا إلى حبكات فرعية كوميدية أو درامية. يطلّ «العميل السرّي» مثل كرنفال من الألوان والدماء والضحك، راسمًا صورة نابضة بالحياة للبرازيل في منتصف سبعينات القرن الماضي، ومخفيًا خلف صخبه حقبة الديكتاتورية العسكرية. يروي الفيلم قصة حياة الإنسان حين يبدو، للوهلة الأولى، غير متأثّر مباشرة بالديكتاتورية.

بعد بداية مبهرة، ربما من بين الأفضل في السنوات الأخيرة، ينطلق الفيلم خلال أسبوع الكرنفال الصاخب، إذ يمتلئ المشهد بالجنس وإطلاق النار والقتلة المأجورين والسيارات الكلاسيكية، وصولًا إلى مشهد صادم يُظهر ساقًا بشرية مقطوعة عُثر عليها في معدة سمكة قرش ترفس الرجال. وعلى امتداد الفصل الأول من ثلاثة فصول، يطرح فيلهو أكثر من اثنتي عشرة شخصية وموقفًا في سياق واحد، يصعب ربط الكثير منها للوهلة الأولى، لكن سرعان ما يستقر كل شيء في مكانه.

«العميل السرّي» فيلم ضخم، نظريًا وعمليًا وبصريًا ودراميًا. يتميّز بثباته وثقته على الشاشة، متوقفًا ليستمتع بكلّ لحظة كوميدية أو إيروتيكية، أو حتى بلحظة مؤثرة في مساره الملتوي نحو نهايته العنيفة والرقيقة في آن واحد. لا يلتزم الفيلم بمتطلبات أفلام الإثارة التقليدية، وتوقّع ذلك قد يسبّب نفاد الصبر. يتميّز بأسلوب روائي فريد، فهو فيلم يركّز على الشخصيات ويُبرز أداء فاغنر مورا العظيم. يأخذ وقته، وشخصياته متكاملة، ويهيمن عليه الطابع الكرنفالي الذي يُشكّل خلفية وملاذًا، لكنه أيضًا مُسرّع للأحداث، مما يجعل الفيلم يبدو دائمًا مُبتذلًا أو غريبًا. إنه أشبه بمجموعة من الأرشيفات التي تُسحب منها وثيقة تلو الأخرى، فتُعاش كلّ صفحة بتفاصيلها. يلتقط الفيلم ما يقع على هامش التاريخ الرسمي، وفي الوقت عينه يُضيء على تلك الرواية الكبرى.

مراجعة كاملة لفيلم «العميل السرّي»

لا خيار آخر» سوى العنف
No Other Choice (2025)

أندرو محسن – لا خيار آخر

في أحدث أفلامه، يؤكّد بارك تشان ووك قدرته على تقديم صياغة بصرية جديدة ومختلفة حتى لأبسط المشاهد والتتابعات. «لا خيار آخر» فيلم ينأى عن أي توقعات مُسبقة، ويتناول رحلة مربكة لبطل يحاول التمسّك بمكانه ومكانته داخل المجتمع الرأسمالي. ذكر كثيرون – ومعهم الحق – أن الفيلم يُذكّر برائعة الكوري الجنوبي الآخر بونغ جون هو «طفيلي» في انتقاده للجوانب نفسها من المجتمع، من دون أن يعني ذلك أن العمل الجديد مجرّد تكرار للفكرة ذاتها.

بمجرّد مشاهدة «لا خيار آخر»، يجد المرء نفسه أمام مجموعة كثيفة من الأفكار التي تتلاحم بدقّة وسلاسة، وتبقى في ذهن المُشاهد حتى المُشاهَدة التالية، بين نقد للنظام الرأسمالي وتصلّب الرأي ومفهوم الأسرة. إلى جانب السيناريو المميّز، يستعرض بارك تشان ووك قدراته بوصفه أحد أكثر مخرجي هذا العصر تميّزًا في التعبير البصري، حتى في أبسط المَشاهد، مستخدمًا الموسيقى والترجمة لتعويض اختفاء الحوار في بعض اللحظات، ومحوّلًا مشاهد الحوار التقليدية إلى لقطات تُرى قبل أن تُسمع.

ورغم أنّ الكوميديا لم تكن عنصرًا أساسيًا في كثير من أعماله السابقة، فإنه يقدّمها هنا وكأنه كان وفيًّا لهذا النوع منذ فيلمه الأول. للكوميديا في الفيلم تأثير بالغ، مرة لتخفيف أجواء الجريمة، ومرة لاستكمال حالة السخرية من عبثية الوضع القائم في عالمنا الحالي. ومع هذا الاختلاف، لا يمكن فصل الفيلم عن أسلوب المخرج المعروف، فلا تزال ثيمة الانتقام حاضرة، وإن كان هدفها قد تحوّل عمّا شاهدناه سابقًا.

لم يحظَ الفيلم حتى الآن بعروض واسعة حول العالم منذ عرضه الأول في مهرجان البندقية هذا العام، وأثق أنه بمجرّد أن يُعرض جماهيريًا على نطاق أوسع سينال المكانة التي يستحقها، وستصبح بعض مَشاهده منتشرة ومحفوظة في ذاكرة المشاهدين.

مراجعة كاملة لفيلم «لا خيار آخر»

Hamnet (2025)
Hamnet (2025)

حسام فهمي – هامنت

«الديجافو» هو الإحساس بأنك عشت موقفًا تختبره في الحقيقة للمرة الأولى، أما النوستالجيا فهي التوق الشديد للعودة إلى شعور عشته من قبل. كيف يمكن الجمع بين شعورين يبدوان متضادين؟

في فيلم «هامنت» للمخرجة الصينية كلوي تشاو، ينتابك شعور غريب منذ البداية، كأنك تشتاق للفيلم رغم أنك ما زلت تشاهده. كيف يمكن صنع فيلم جديد عن رجل يعرفه الجميع؟ كيف يمكن للسينما أن تسرد حكاية حسّية؟ والأهم: كيف يمكن خلق تجربة سينمائية تصلح لأن تُوصَف بالخلود؟

شكسبير أحد الأسماء القليلة التي ربما يعرفها كل أهل الأرض؛ الأديب الإنجليزي، الكاتب المسرحي الأشهر. كيف يمكن صناعة فيلم جديد عن رجل يعرفه الجميع؟

في حكاية «هامنت»، تأخذنا كلوي تشاو إلى جانب مختلف من حياة شكسبير، معتمدة على رواية خيالية للكاتبة الآيرلندية ماجي أو فاريل. لا تدور الحكاية عن مؤلفات شكسبير، بل عن حياته قبل أن يصبح كاتبًا مشهورًا. لا يحضر اسمه حتى نهاية الفصل الأخير من الفيلم. في البداية، نرى شابًا يعمل معلّمًا لأطفال أسرة غنية لسداد ديون والده، يتعرّف إلى امرأة جميلة داخل المنزل الذي يعمل فيه، وتنشأ بينهما سريعًا علاقة حب، قبل أن يدرك لاحقًا أنها الابنة الكبرى للأسرة.

تركّز الحكاية بعد ذلك على أجنيس، الزوجة؛ المرأة التي تظهر منذ البداية بشكل شبه سحري، حين نراها مُستلقية على أرض خضراء تحت شجرة، بجانب حفرة تقود إلى الجذور. تبدو أجنيس كأنها ابنة الطبيعة، جزء منها؛ تتحدّث مع الأشجار، وتعطي إشارات للطيور، وتمتلك حضورًا يشبه الساحرات الطيبات.

يمكن وصف الفيلم بأنه جيد ومؤثّر، أو حتى عظيم، لكن وصف «الخلود» ينطوي على مقامرة كبيرة، لأنه رهان على المستقبل لا الحاضر. ومع ذلك، أستطيع تقديم دفوعي لهذا الرهان.

الكمال في عناصر الفيلم السينمائي أمر نادر، وهو ما يحدث هنا في «هامنت». فيلم عظيم على مستوى السينماتوغرافيا، متفرّد في الأداءات التمثيلية، مذهل في تصميم الأزياء ومواقع التصوير. قطعة زمنية نابضة بالحياة، بحوار يرتكز على لغة أدبية بديعة، وفوق كل ذلك شريط صوتي يُعد من بين الأفضل في القرن الحالي.

مراجعة كاملة لفيلم «هامنت»

Silent Friend (2025)
Silent Friend (2025)

سعيد المزواري – صديقي الصامت

يجسّد «صديقي الصامت»، جديد المخرجة الهنغارية إلديكو إنييدي، توازنًا دقيقًا بين الحسّي والمفهومي، مما يمنح المشاهد تجربة سينمائية شاملة. المفهومي يتجلّى في تقاطع قصص ثلاث شخصيات من فترات زمنية مختلفة مع شجرة مهيبة تضرب جذورها في حديقة مجاورة لجامعة، ورافده العلمي دراسة الخلايا العصبية واستشعار ردود فعل النبات على الاستثارة. أما الحسّي، فيسعى إلى استجلاء رابط غيريّ مع الكائنات النباتية وتوازياتها في علاقات البشر بعضهم ببعض: من سعي غريت، الطالبة الموهوبة والطموحة، إلى تجاوز التمييز ضدّ النساء في الحرم الجامعي مطلع القرن العشرين؛ إلى تقارب شابة تُنجز دراسة على زهرة «إبرة الراعي» (جيرانيوم) مع شاب خجول التقت به صدفة في سبعينات القرن الماضي؛ إلى وحدة العالِم الباحث توني (توني ليونغ) في محاولته قياس حساسية الشجرة العظيمة للمؤثرات الخارجية خلال زمن كورونا، كأنه يحدس عمق ما كانت شاهدة عليه في العصور الماضية.

قدرة المخرجة على لحم هذه القصص الثلاث، بفضل سحر المونتاج، ومن خلال انتقالات جريئة ومبتكرة تنبني على انسجام المناخات أو تقاطعات الصور أو تقارب الأشكال أو أحاسيس الشخصيات، رغم اختلاف المادة الفيلمية لكلّ منها (الأبيض والأسود، الشريط الفيلمي، الصورة الرقمية)، تفصح عن براعة شكلية استثنائية وإيمان لا محدود بقدرة السينما على رأب حدود المكان والزمان، بفضل قوة التعاطف، لا مع الإنسان فحسب، بل مع نسيج الحياة برمته.

في مشهد دال، تلجأ غريت، بعد انسداد الأبواب في وجهها، إلى مصوّر فوتوغرافي رائد لتطلب منه تدريبها لتصير مساعدته، فيقول في لحظة تجلّ عبارة تختصر ربما البرنامج الجمالي لهذا الفيلم الكبير: «هدف الفوتوغرافيا ليس أن تصف الواقع، بل أن تستكشف هشاشته».

Sirât (2025)
Sirât (2025)

 محمد طارق – صراط

بعد عام طويل امتلأ بمشاهدة الأفلام بين مدنٍ وقارات مختلفة، يبقى «صراط» هو فيلم هذا العام بلا نقاش بالنسبة إليّ. لا لأن العام خلا من أفلام ممتازة مثل «قيمة عاطفية» ليواكيم ترييه أو «لا خيار آخر» لبارك تشان ووك وغيرها، ولكن لأنّ هذا الفيلم تحديدًا يبدو الأكثر طزاجة وحيوية بين كل تلك الأعمال، سواء ضمن مسيرة مخرجه، أو في سياق السينما العالمية اليوم.

منذ عنوانه، الذي يشير إلى خطّ بالغ الرهافة يفصل بين عالمين، وصولًا إلى لقطاته الافتتاحية التي توحي بفيلم صاخب عن حفلات موسيقى الريف غير القانونية في صحراء المغرب، يضعنا «صراط» أمام تجربة مختلفة. شخصياته، التي استعان فيها لاشيه بممثلين غير محترفين منتمين فعليًا إلى هذا العالم، وأماكنه التي تكشف عن عوالم معزولة عن واقعنا، تفتح نافذة على بشر يعيشون في الصحراء، يفرّون من أشياء كثيرة، ويذوبون في موسيقى سماعات خربة كنوع من تصوّف معاصر.

في قلب الحكاية، أب بسيط لم يحضر في الغالب حفلة كهذه طوال حياته، يبحث عن ابنته المفقودة، فيُضطر إلى الانضمام إلى جماعة من البشر لم يكن ليلتقيهم يومًا. ما يبدأ بالاستغراب والحذر يتحوّل تدريجيًا إلى صداقة صامتة، وكأن الأب يخوض، متأخرًا، الرحلة نفسها التي خاضتها ابنته، ويتعرّف إلى أشخاص يشبهون أصدقاءها. هكذا تصبح الرحلة، في أحد مستوياتها، محاولة متأخرة لفهم الابنة، وربما لمصالحة لم تتحقق في الزمن المناسب.

بصريًا، يقدّم الفيلم تنويعات متعدّدة لفكرة «الصراط» نفسها: من عروض الليزر التي ترسم أشكالًا ضوئية على خطوط الجبال، إلى الطرق الوعرة التي بالكاد تسمح بمرور السيارات، وصولًا إلى الخطوط الدقيقة التي يحتاجها الأبطال لعبور حقول الألغام والنجاة. يضاف إلى ذلك شريط صوتي مميّز يمنح الرحلة إحساسًا آخر، ويؤكد أن ما يبدو في بدايته دنيويًا وصاخبًا قد يحمل في عمقه قدرًا كبيرًا من الروحانية.

«صراط» فيلم لا يشبه سواه. فيلم يمكننا أن نتخيل مشاهدته بعد سنوات، محتفظًا بكل هذا الألق، تمامًا كما نشاهد اليوم أعمال كوبريك أو برغمان أو كوروساوا، ونراها قطعًا فنية خالدة، منحوتة في صخر السينما.

Sinners (2025)
Sinners (2025)

أحمد العياد- الخطاة

في كلّ عام، نعود في «فاصلة» إلى هذا التقليد الذي اعتدناه: أن يختار نقّاد المنصّة أفلامهم الأهم خلال السنة، كلٌّ من زاويته وذائقته الخاصة. ورغم أنّ دور رئيس التحرير يفرض عليّ أن أكون آخر من يختار، وبخيارات أقل، فإنني سعيد بأن يكون اختياري هذا العام فيلم «الخطاة»؛ أحد أجمل مفاجآت الموسم، وأحد أكثر الأفلام السينمائية متعةً واكتمالًا. فيلم حظي بحضور جماهيري ونقدي لافت، واعتبره موقع Variety أعلى افتتاح لفيلم «أصيل» في مرحلة ما بعد جائحة كورونا.

فيلم رايان كوغلر مزدحم بالأفكار من دون أن يفقد توازنه. هو امتداد واضح لهمومه السينمائية المعتادة: سؤال الهوية بالنسبة إلى الرجل الأسود، الذاكرة، الإرث، والموسيقى التي تبلغ هنا ذروة حضورها وتأثيرها، إلى جانب الصراع المفتوح مع التاريخ الأميركي العنصري. تتقاطع هذه الثيمات في شخصية سامي، ابن الواعظ وعازف البلوز، الذي تتحوّل موسيقاه إلى جسر زمني وثقافي يربط أفريقيا بالجنوب الأميركي، والواقع بالأسطورة، في أحد أكثر مَشاهد الفيلم طموحًا وقوةً على المستوى البصري.

ذروة الفيلم الدموية، المرتبطة بدخول مصّاصي الدماء البيض إلى مساحة سوداء خالصة، قد تبدو رمزية مباشرة، لكنها تظلّ مقبولة ومؤثرة، لا سيما أنّ المشهد صاخب، ممتع بصريًا، ومشحون بطاقة غضب مكبوتة، ليغدو أحد أكثر لحظات الفيلم رسوخًا في الذاكرة.

أحبّ الأفلام التي تشكّل فيها الموسيقى هويةً وحضورًا أساسيًا، وهنا كانت الموسيقى القلب النابض للفيلم بلا منازع. مَشاهد البلوز، الأغنيات، الصورة، الصوت، واللقطات الواسعة، كلها تتكامل في لحظات يتألّق فيها كوغلر حين يترك المَشاهد تمتد في لقطات طويلة، واثقًا بقدرة الممثلين والموسيقيين على حمل الثقل العاطفي من دون تدخُّل مونتاجي مُلحّ. لحظات تبدو حيّة، نابضة، وفي أقصى درجات صدقها.

التألّق شمل كلّ من عمل في الفيلم، لكن ديلروي ليندو كان مذهلًا بحق في دور العازف، مانحًا الفيلم عمقًا إنسانيًا إضافيًا.

في المحصّلة، لا يكتفي «الخطاة» بأن يكون فيلمًا ذكيًا أو ممتعًا، بل يقدّم تجربة سينمائية مكتملة تُشاهَد وتُسمَع وتُحَسّ. وكم كان محظوظًا مَن شاهده في السينما، وعلى شاشة الآيماكس تحديدًا. في سنة ازدحمت بالأفلام، كان هذا العمل واحدًا من تلك الأفلام التي تظل عالقة بعد انتهاء العرض، لا كفيلم جيّد فحسب، بل كتجربة لا تُنسى.

اقرأ أيضا: أفضل 20 فيلمًا عربيًا في 2025 – قائمة شخصية

شارك هذا المنشور